الصفحة الرئيسية > آباء الكمبيوتر > وادي السيليكون من الواحة الى الهلكون > الجزء الرابع: نحو الديستوبيا وما بعد (٢٠١٥ - ٢٠٢٥)
الجزء الرابع: نحو الديستوبيا وما بعد (٢٠١٥ - ٢٠٢٥)
بقلم
من سنة ٢٠١٥، بدأ الطلاء التقدمي المتوارث من الثقافة المضادة في ستينات وسبعينات القرن الماضي والذي أنعشته ظاهرة أوباما يتفتت. وفي الموازاة صعد جيل من المتعهدين الرجعيين إلى السلطة. وجسد هذا التحول في وادي السيليكون شخصان كل على طريقته. وكانت الصدف فقط هي التي وضعتهما في قلب شركة واحدة في أوائل الألفية الثالثة.
١- من مافيا باي بال إلى التكنوفاشية: ماسك وثيل وتطرف وادي السيليكون
ولد إيلون ماسك لأب مهندس عنصري وأم عارضة أزياء وأخصائية تغذية، وكبر في ضاحية راقية من بريتوريا في أفريقيا الجنوبية في عزّ الفصل العنصري. ولم تمنعه نتائجه المدرسية المتواضعة من الهجرة إلى كندا ثم الانتقال للعيش بصفة غير شرعية في الولايات المتحدة حيث أسس شركة صاعدة هدفها مساعدة وسائل الإعلام والصحف على إنشاء وجود على شبكة إنترنت، بفضل مال والده ومساعدة شقيقه. ووُصف بأنه مدير فظ ومبرمج أقل من العادي وأدت شخصيته المتقلبة إلى إقصاءه من إدارة شركته (التي سمّيت بزيب٢ - Zip2) من قبل المستثمرين الذي ساهموا بثلاثة ملايين دولار فيها. وبعد أن أفشل عملية دمج مربحة، نجا ماسك بفضل عرض شراء مفاجئ من شركة كومباك للكمبيوترات الشخصية. ولم تكن شركة زيب٢ مربحة بأي شكل من الأشكال ولكن مؤسسها حصل على عشرين مليون دولار من عملية الشراء وأصبح الطفل المدلل في وادي السيليكون. وأتاح له هذا المبلغ تأسيس شركة إكس.كوم (X.com) وهي عبارة عن مصرف على الشبكة.
«أقول أن موهبتي وخبرتي تأتيان من قدرتي على بناء شركة إنترنت خارقة تتمتع بأساسات متينة. لم أكن أعرف أي شيء عن وسائل الإعلام عندما أسست زيب٢ ولكنني تعلمت بالممارسة». من هذا الاقتباس تمت كتابة سيرة تبجيلية لإيلون ماسك نشرت سنة ١٩٩٩ وتوقعت أن يصبح ماسك «القفزة الكبيرة القادمة» (The next big thing) في وادي السيليكون. ولم يغب منطق ماسك الدائري عن كاتب المقال الذي أكد أن هذا الأخير يملك موهبة تأسيس الشركات لأنه ... يملك موهبة تأسيس الشركات! ولكن هذا بالضبط ما يبحث عنه الرأسماليون المغامرون في عهد ما بعد نتسكيب المذكور سابقاً: لا حاجة لأفكار عظيمة [1] ولا لمهندسين موهوبين بل لشخصيات أظهرت قدرتها على مضاعفة الرأسمال المغامر للمستثمرين الأوائل في الشركة. وكوّن ماسك صيت الرجل الذي لا يكل عن العمل والمستعد للتضحية بكل شيء فداءً لرؤيته وهذا ما أعجب المستثمرين.
وكما حصل مع زيب٢، لم تكن بدايات إكس.كوم تبشر بالخير. فبعد بضعة أشهر من تأسيسها، حاول موظفو الشركة الذين وظفهم ماسك إقساءه من رئاسة الشركة بسبب تصرفاته العشوائية وإدارته العنيفة. وأمام رفض ماسك ترك منصبه قدمت أهم الكفاءات في الشركة استقالتها. إلا أن ماسك وجد من ينقذه على شكل شركة سيكويا كابتال والمسؤول فيها الرأسمالي المغامر المشهور مايكل موريتز الذي قدم لإكس.كوم مساعدة قيمة للحصول على رخصة مزاولة الأعمال المصرفية وفرض رئيس جديد للشركة. وبدأت الشركة باجتذاب الزبائن بتشجيعهم على فتح حسابات لديها مقابل هدية ٢٠ دولاراً لكل حساب. وكان ماسك قد تجاهل خدمة أثبتت شعبيتها الكبيرة: تسهيل الدفع على الشبكة ولكن إكس.كوم لم تكن وحيدة في هذا القطاع. فقد ظهرت عشرات الشركات الناشئة الكالفورنية التي بدأت تتناهش هذه السوق الجديدة، ومنها شركة شاءت الصدف أن يكون مقرها في المبنى نفسه التي توجد فيه إكس.كوم وهي شركة كونفينيتي (Confinity) التي أسسها خبير معلوماتية موهوب هو ماكس ليفشين بمساعدة مالية من أحد صناديق الاستثمار.
ولد بيتر ثيل سنة ١٩٦٧ في ألمانيا الغربية لوالدين يحنّان للحقبة النازية وكبر في أفريقيا الجنوبية خلال الفصل العنصري قبل الهجرة إلى كالفورنيا في ١٩٧٧. أكمل ثيل دراساته العليا في جامعة ستانفورد حيث تعرف على فكر رينيه جيرارد المعروف فضل نظريته حول الرغبة المقلّدة [2] وحصل على ماجستير في الفلسفة والحقوق. وفي الجامعة قام بتأسيس مجلة الطلاب ذي ستانفورد ريفيو التي تميزت بخطها المحافظ وهوسها بحروب الثقافات. وفي هذه الفترة شهد العديد من الجامعات ظهور هذا النوع من المنشورات التي مولتها شبكات محافظة في البلد. تخرج ثيل سنة ١٩٩٢ وجرب حظه في مجال الحقوق حيث عمل ككاتب عند القاضي الفدرالي جيمس إدمونسون. بعدها التحق بمكتب محاماة في نيو يورك متخصص بإدارة الأصول ولكنه استقال بعد عام واحد ليصبح وسيطاً في العقود الآجلة لدى مصرف الاعتماد السويسري. ونشر برفقة شريكه ديفيد ساكس، وهو جنوب أفريقي أيضاً وعضو في فريق مجلة ستانفورد ريفيو، كتيباً رجعياً آملاً بتحويله إلى مطبوعة ناجحة ولكنه فشل في ذلك. فترك ثيل وول ستريت لينتقل إلى وادي السيليكون سنة ١٩٩٥ عندما نجحت نتسكيب في الدخول إلى البورصة. فتمكن ثيل بمساعدة علاقاته في ستانفورد من تأسيس صندوق استثماري للرأسمال المغامر واستثمر المليون دولار التي حصل عليها في مجموعة من المهندسين الشباب والموهوبين المتخرجين من جامعة ولاية إللينويس من بينهم شاب يدعى ماكس ليفشين كان يبحث عن تمويل لشركته كونفينيتي (هكذا تحصل الصدف!).
وتوفر هذه الشركة الناشئة خدمات مالية من خلال نظامها للدفع عبر الشبكة والذي أطلقت عليه اسم باي بال (PayPal). فتبوق ثيل منصب الإدارة وعين أصدقاءه من أيام مجلة ستانفورد ريفيو في مناصب إدارية. وكبرت الشركة باعتماد الأسلوب المعروف في اجتذاب الزبائن بواسطة هدايا مالية ودخلت في تنافس مباشر مع شركة إكس.كوم.
عندما أدرك انه دخل في معركة خاسرة ضد إكس.كوم، فاوض ثيل على عملية دمج مع هذه الأخيرة سنة ١٩٩٩. وبصفته المساهم الأساسي، حصل إيلون ماسك على منصب الرئيس التنفيذي وحافظ على اسم إكس.كوم. ولكن ما لبث أن اختلف مع ماكس ليفشين حول مسائل تقنية إذ لم يفهم هذا الأخير لماذا أراد ماسك فرض هندسة معلوماتية تعتمد نظام ويندوز بدلاً من نظام يونيكس الأكثر متانة وأمان والذي كانت تستخدمه شركة كونفينيتي والمعمتد من العديد من شركات وادي السيليكون. وأدى قرار ماسك إلى خسارة الشركة سنة كاملة في إعادة كتابة برمجيات خدمة باي بال لتتوافق مع نظام مايكروسوفت علماً أن هذه الخدمة هي التي تؤمن الحصة الأكبر من عائدات الشركة. وصرح ليفشين في ما بعد أن السبب الوحيد في إنقاذ الشركة هو أن المنافسين لم يحصلوا على التمويل الذي حصلت عليه شركته. وأمام تجاهله لمشاكل احتيالات مصرفية ضربت سمعة الشركة، تمت إزاحة ماسك من الإدارة بانقلاب داخلي فتسلم ثيل المنصب وتخلى عن اسم إكس.كوم لصالح باي بال وأعاد تمركز نشاط الشركة حول خدمات الدفع عبر الشبكة وباع الشركة إلى إي. باي بمبلغ ١٫٥ مليار دولار سنة ٢٠٠٢. وبذلك أصبح مسؤولو الشركة الشباب مليونيريين وعرفوا بـ«مافيا باي بال» ووظفوا أرباحهم في مجموعة من الشركات الناشئة الناجحة.
مرحبا بكم في عالم ثيل
أطلق إيلون ماسك سبيس إكس (SpaceX) سنة ٢٠٠٢، ثم وبسرعة استحوذ على تيسلا موتورز (Tesla Motors) وهي شركة ناشئة أسسها مهندسان من سان فرانسيسكو.أطلق ستيف تشين وتشاد هرلي وجاود كريم موقع يوتيوب الذي اشترته غوغل بـ١٫٦ مليار دولار سنة ٢٠٠٦. أنشأ راسل سيمونز وجيريمي ستوبلمان شركة ييلب! (Yelp!) وحققا دخولاً مربحاً في البورصة. باع ديفيد ساكس شركة يامر (Yammer) لمايكروسوفت سنة ٢٠١٢ بـ١٫٢ مليار دولار. باع ريد هوفمان، الوحيد من بين مسؤولي بيه بال (PayPal) السابقين الذي لا يشارك بيتر ثيل أفكاره، موقع لينكد إن (LinkedIn) لمايكروسوفت بـ٢٦ مليار دولار سنة ٢٠١٦. وأعلم هوفمان أيضاً بيتر ثيل ببروز فيسبوك مما أتاح لهذا الأخير الاستثمار في موقع التواصل منذ بداياته. ولكن ثيل باع الجزء الأكبر من أسهمه فور دخول فيسبوك إلى البورصة وحصل على مليار دولار.
وكان ثيل الدافع الذي وجهّ مافيا بيه بال لإنقاذ سبيس إكس من الإفلاس بتمويل رابع إطلاق ناجح لصاروخ [3]. ولعبت وكالة الفضاء الأميركية دوراً حاسماً في نجاح سبيس إكس بفضل دعم تقني لا يستهان به إضافة إلى مساعدات مالية كبيرة وعقود حكومية لا غنى عنها.
وكذلك الأمر مع شركة تسلا التي أنقذتها من الإفلاس إدارة أوباما والدعم من ولاية كالفورنيا والذي نهل منه ماسك بشكل غير قانوني. وأدت الزيادة المطردة لأسعار أسهمه في البورصة والمدعومة بوعود كاذبة تصل إلى حافة الجرم حول سيارات أجرة يقودها روبوتات وسيارات تعمل بمفردها إلى تحويل إيلون ماسك إلى أغنى رجل في العالم. وسمحت له ثروته بشراء تويتر بمساعدة لاري إليسون وعدد من أعضاء مافيا بيه بال. و في الدعوى المقامة من تويتر ضد ماسك لإجباره على احترام وعوده الخيالية بالشراء ظهرت رسائل نصية كشفت أن ماسك أحاط نفسه بحاشية ليس لديها أي فكرة عن كيفية عمل تويتر وماذا يمكنه أن يعمل به. وكانت بدايات تحكمه بموقع التواصل كارثية، فقد اتخذ ديفيد ساكس ، الذي كان يقدم استشاراته لماسك في الأشهر الأولى، قرارات مفجعة أدت إلى زيادة تشوه صورة ماسك التي بذل جهداً في تشذيبها. ورغم ظهوره بشكل دائم في الإعلام وشرائه منصباً مؤقتاً في إدارة ترامب إلا أن صاحبه بيتر ثيل هو الذي سيكون له التأثير الفعلي في السياسة الأميركية.
بعد جمعه ٥٠ مليون دولار جراء سنتي عمل في بيه بال، أسس بيتر ثيل عدد من صناديق الاستثمار في الرأسمال المغامر مما سمح له بالتهرب من الضرائب والاستثمار في شركات ناشئة تعود لأعضاء مافيا بيه بال. ومثل ماسك، يعرف ثيل جيداً أن الإدراك أو التصور هو الذي يلعب الدور الأساسي في النجاح في وادي السيليكون وليس الحقيقة أو الواقع. لذلك هاجم بشدة موقع غوكر من خلال دعاوى بملايين الدولارات حتى دفعه إلى الإفلاس لأن هذا الموقع شكّك في عبقريته.
في سنة ٢٠٠٣ أسس ثيل شركة بالانتير [4] مع مجموعة من شبكة جامعة ستانفورد. وانطلقت الشركة في نشاطها بالاعتماد على برمجيات لمنصة بيه بال تتيح اكتشاف المحتالين وتطويرها للتعرف على «إرهابيين» محتملين. وعين ثيل ألكس كارب، أحد المؤسسين في منصب الرئيس التنفيذي وهو صديق من أيام ستانفورد ومؤيد للحزب الديموقراطي مما أضفى على الشركة مسحة تقدمية. فالشركة تحصر نشاطها في خدمات تجميع بيانات وإدارتها ومن أهم زبائنها الشرطة والقوات العسكرية وأجهزة المخابرات. وكبرت بالانتير خلال ولاية باراك أوباما لا سيما وان مستشاريه افتتنوا بواجهة برامجها الحديثة وأدائها وطريقة تعاملها مع المستخدم. وفي ٢٠١٧، قام عدد من كوادر بالانتير بتأسيس شركة ناشئة أخرى يأتي اسمها أيضاً من سيد الخواتم وهي أندوريل [5]. ويعد بيتر ثيل من أهم المستثمرين فيها ويتمحور نشاطها حول إنتاج أنظمة إلكترونية للصناعات الحربية. وكان أول عقد لها بقيمة مئات ملايين الدولارات ويكفل إنشاء برج مراقبة على الحدود المكسيكية للتصدي لموجات الهجرة. وشكل ذلك هدية من إدارة ترامب الذي يتمتع بعلاقات حميمة مع بيتر ثيل وهو الشخصية الوحيدة في وادي السيليكون التي دعمت ترشيح ترامب علناً خلال انتخابات ٢٠١٦. وتصل قيمة أندوريل حالياً إلى ٢٨ مليار دولار بينما شهدت بالانتير ارتفاعاً في قيمة أسهمها بلغ أربعة أضعاف جراء انتخاب دونالد ترامب ما يجعل قيمتها في البورصة تقدّر بـ٤٠٠ مليار دولار. وتساهم الشركتان في عمليات مطاردة المهاجرين التي وضعتها الإدارة الأميركية الجديدة وتدعمان بشكل علني المستعمرة الصهيونية في فلسطين. وكانت بالانتير قد وقعت عقداً دسماً مع سلطات المستعمرة لتنفيذ عملية الإبادة في غزة.
ولا يكتفي ثيل بتحريك صناديق استثمار لشن حملات نضالية لتمويل شركات ناشئة يديرها محافظون قادمون من شبكات علاقاته. فانضم إلى هيئة إدارة مؤسسة هوفر وألّف عدة كتيبات سياسية حيث يكشف أفكار تندرج في خانة الثورة المضادة للتنوير، فهو يعتبر أن الديمقراطية تكبح التطور» و«لا تتوافق مع الليبرالية». وفي التوازي قام بنشر كتاب «صفر إلى واحد» موجهاً إلى رجال الأعمال ومجموعاً من المحاضرات التي يلقيها في جامعة ستانفورد منذ سنة ٢٠٠٤. ويصف في هذا الكتاب نظرته إلى عالم الأعمال الذي يعتمد على استخدام الابتكارات والرأسمال المغامر لبناء شركات تتمكن من احتلال مراكز احتكارية. «المنافسة هي للفاشلين» لأنه من غير الممكن الحصول على الريع عندما نعمل في قطاع شديد التنافس. وبالنسبة له «فإن المبيعات لا تقل أهمية عن جودة المنتج» لأن المبيعات هي التي تنتج النمو الشامل الذي يؤدي إلى الاحتكار. من الواضح إننا ابتعدنا كثيراً عن الشغف بجودة المنتج التي جعل منها ستيف جوبز روح المهنة. هذه الرؤية الاستفزازية تلاقي رواجاً واسعاً لدى رجال الأعمال والرأسماليين المغامرين في عالم التكنولوجيا لا سيما وأنها تؤسس لنموذج للشركات الناشئة حيث يتمتع المؤسسون بسلطات مطلقة. وأصبح ثيل مرشداً للعديد من الوجوه البارزة في الوادي ومنها مارك زوكربرغ الذي ساعده في وضع النظام الأساسي لفيسبوك حيث أعطى حقوق التصويت التفضيلية للمؤسس مما يحصن هذا الأخير ضد الضغوط الداخلية وقرارات مجلس الإدارة وقوى السوق التي قد تشكل سلطة معاكسة. والحال أن نجاة زوكربيرغ من فضيحة كامبريدج أناليتيكا وتورط فيسبوك في الإبادة في بيرمانيا وفشل ميتافيرس تعود بمعظمها إلى بنية ملكية الأسهم التي وضعها بيتر ثيل.
هناك أيضاً حالتان أخريان تجسدا تأثير مؤسس بيه بال. فقد قدم ثيل للمدعو جيه.دي. فانس منصب إداري في صندوقه الاستثماري ميثريل كابيتال مما أعطى لهذا الشخص شرعية في عالم الأعمال ومكّنه من تأسيس صندوقه الاستثماري ناريا كابيتال. واستثمر ثيل مبالغ كبيرة في هذا الصندوق الذي يذكر اسمه بأحد خواتم السلطة في رواية تولكين (ما هذا الولع بالرواية الذي دفع الشركات الفاشية لاختيار أسمائها منها!). وقامت ناريا كابيتال بتمويل شبكات أقصى اليمين الأميركية ومنها شركة نشر فيديوهات منصة رامبل وهي بديل ليوتيوب لا تهتم بأي قواعد مراقبة استباقية. هكذا نجح جيه.دي. فانس في الحصول على تأثير ملحوظ في قسم من وادي السيليكون وقام ثيل بتمويل حملته الانتخابية لمنصب حاكم ولاية أوهايو وتعريفه إلى دونالد ترامب الذي اختاره كمرشح لنائب الرئيس بعد تشجيع كبار التكنولوجيا. ومع فانس في البيت الأبيض، حصل ثيل والتيار التكنوفاشي على تأثير كبير في سياسة السلطة وهو وضع مثالي إذا علمنا أن الذكاء الاصطناعي أصبح رهاناً أساسياً في ولاية ترامب. فهذه التكنولوجيا التي تتميز بشره للطاقة لا حدود له فرضت على الناس من قبل شركة أوبن إيه.آي. الشركة الناشئة التي يديرها رجل يعتبر بيتر ثيل معلماً له وهو سام ألتمان الطموح.
٢- من الذكاء الاصطناعي إلى التكنولوجية الكاذبة
ظهرت عبارة «الذكاء الاصطناعي» في ١٩٥٦ خلال ورشة عمل في دارتموث الأميركية حيث اجتمع حوالي عشرون باحثاً لوضع أسس هذا الموضوع البحثي. ولجذب الاستثمارات تخلوا عن تسمية «دراسة الآلات» لصالح تسمية «الذكاء الاصطناعي» وهي عبارة أكثر جاذبية لمستوى المستثمرين الثقافي. والهدف من هذا العلم الجديد لا تقتصر على تطوير برامج كمبيوتر يمكنها تنفيذ وظائف محددة ولكن إنتاج ذكاء عام يمكنه التفوق على الإنسان.
ولم تكن هذه الفكرة ثورية على الإطلاق إذ أنه في أوائل سنوات ١٨٠٠، أثارت آلة يمكنها لعب الشطرنج ضجة كبيرة لدى الأرستقراطية الأوروبية. عُرفت هذه الآلة باسم «التركي الميكانيكي» وتكونت من مكتب كبير عليه رقعة شطرنج تحرك أحجاره دمية متحركة على شكل وجيه شرقي. وتم فضح الخدعة بعد عدة سنوات: فوراء المحركات والعجلات الظاهرة في مقدمة الآلة يختبئ لاعب شطرنج حقيقي يتحكم بذراعي «التركي» لتحريك الأحجار. واستخدمت أمازون عبارة التركي الميكانيكي حوالي ٢٠٠ سنة بعد اعتمادها لتسمية منصتها على الإنترنت التي تتيح توظيف العمال الذين تدفع لهم الشركة لقاء النقر على روابط لتنفيذ مهام روتينية. هؤلاء البؤساء هم اللذين تستخدمهم نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة والشركات التي تزعم زوراً بيع خدمات تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتي تكلف العمال المؤبرين من تحت الطاولة تنفيذ تلك الخدمات. فبعد قرنين كاملين لا يزال البعض يستخدم خدعة التركي الميكانيكي للتبجح بالذكاء الاصطناعي.
بعد ورشة عمل دارتموث، ظهرت مدرستان تتنافسان على ميزانيات الأبحاث. يعتقد «الرمزيون» (symbolists) أن الذكاء مستمد من المعرفة ويبحثون صوغ نماذج لكيفية عمل الفكر. ويتطلب إنتاج آلات ذكية تزويدها بالمعرفة التي تحتاج إليها قواعد التحليل. وتعتمد هذه النظرية على حلقات منطقية تقوم بالنهل من معلومات موجودة مسبقاً. على العكس، يعتبر «الاتصاليون» (connectionists) أن الذكاء ينتج من القدرة على التعلّم. وبرأيهم يمر الطريق نحو ذكاء اصطناعي شامل (AGI) يمكنه التفوق على الإنسان من إنتاج آلات تتعلم ذاتياً بالطريقة نفسها التي يعمل بها العقل البشري.
سنة ١٩٦٠ قدم البروفسور فرانك روزانبلات عرضاً لشبكة بيرسيبترون وهو خوارزمي يمكنه ترتيب عناصر حسب أوزانها. وقام روزانبلات بتشغيله في كمبيوتر آي.بي.إم. إيواني ضخم واعتمد على شبكة خلايا عصبية اصطناعية في طبقة واحدة وهو نموذج رياضي وضعه نظرياً الأميركيان وارن ماكولو ووولتر بيتس منذ ١٩٤٣. وهو يحاكي تقريباً الخلايا العصبية البيولوجية (neurons) في تصميمه. ويقوم النموذج بتغيير عدد من العوامل (الأوزان والعتبات العائدة لخلاياه الاصطناعية التي لا تتعدى كونها دالات حسابية بسيطة مرتبة على شكل شبكة) للحصول على علاقة تربط البيانات الداخلة بتلك الخارجة. وبعد «تدريب» النموذج، يصبح بإمكانه الحصول على إجابات باستكمال بيانات الدخول.
وساهم استخدام عبارة «شبكة خلايا عصبية» في الإيحاء بأن هناك ذكاء وغذّى نوعاً من الضبابية حول أداء هذه الآلة. وشبهه روزانبلات بالدماغ البشري وزعم أن «ذكاءه الاصطناعي» سيتمكن خلال بضع سنوات من اكتساب الذكاء الشامل الذي يتمتع به إنسان عادي. واصطدمت الحماسة التي أشعلها هذا المفهوم بحدود عديدة منها قوة الحساب غير الكافية لأجهزة الكمبيوتر في تلك الفترة والبساطة الزائدة لهذا النوع من الخوارزميات.

سنة ١٩٦٧، جاء برنامج آخر ليغيّر حقل الأبحاث. إليزا من الأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا جوزيف ويزانبوم هو عامل تحاوري يحاكي طبيب نفساني. ويحتاج البرنامج إلى جهاز كمبيوتر بحجم غرفة كبيرة ويعرض نصاً على شاشة يجيب على سؤال يدخله المحاور. ويقوم إليزا بتحوير التأكيد إلى تساؤل ويعتمد على عدد من الكلمات المفاتيح لطرح أسئلة عامة. فتأكيد «أنا تعيس» يصبح «أنت تعيس» والجواب على التأكيد «إبني يسبب لي المشاكل» يصبح «حدثني عن عائلتك». ويعتمد تشغيله على حلقات منطقية مبرمجة مسبقاً باعتماد النظرية الرموزية. اقتنع عدد من المحاورين بذكاء هذه الآلة وبعضهم اعتقد انه أمام طبيب نفساني حقيقي مما دفع ويزانبوم إلى الاستنتاج أن تطوير الذكاء الاصطناعي الذي يغذّي وهم الإدراك البشري يمكنه التسبب «بانعكاسات اجتماعية كارثية». وأمضى باقي حياته في التحذير من هذا الخطر دون جدوى.
في ١٩٨٦، نشر البروفسور جيفري هينتون خوارزمي يتيح تكديس عدة طبقات من الخلايا العصبية الاصطناعية في نموذج واحد بواسطة دالة «انتشار خلفي». وتتيح هذه التقنية، التي أعيدت تسميتها «التعلّم العميق» (deep learning)، الانتقال من التدريب الآلي (تعلّم الآلة أو machine learning) إلى التعلّم العميق. إلا أن هذا التطور النظري اصطدم بعقبات جديدة من جراء القوة غير الكافية لأجهزة الكمبيوتر. ومن نواقصه أيضاً ندرة البيانات التي يمكن استغلالها لتدريب هذا النوع الجديد من البرامج. وهكذا وُصفت السبعينات والثمانينات بشتاء الذكاء الاصطناعي نظراً لشحة الاستثمارات وركود التطور.
وتم إهمال النظرية الاتصالية لصالح النظرية الرمزية. ومن أجل الربحية، تم توجيه الأبحاث نحو تطوير الأنظمة «الخبيرة» الموجهة لتنفيذ مهمات محددة بمساعدة أخصائيين في حقول تطبيق هذه الأنظمة (علم الأحياء، الطب، الخ). ويبدو أن هذه الأبحاث وصلت إلى أوجها في ١٩٩٧ عندما تغلّب برنامج «ديب بلو» (Deep Blue) من شركة آي.بي.إم. على بطل العالم في الشطرنج غاري كاسباروف. وبجمعه بين طريقة بحث تفرعية تحاكي كل الحركات المحتملة ووظيفة تقييم هذه الحركات، اعتمد ديب بلو على قوة معالجة الكمبيوتر للتغلب على الإنسان. ويقارن البرنامج بين الحركات المحاكاة وقاعدة بيانات تحتوي على ملايين المباريات باتباع قواعد تم وضعها من قبل معلّم شطرنج. هل تبرهن هذه الحادثة تفوق الآلة على الإنسان؟
بالرغم من نتائجها المذهلة، تصطدم النظرية الرمزية بتعقيدات الواقع المعاش. فبرنامج واتسون يتفوق في لعبة جيوباردي (Jeopardy) لكن التطبيقات التجارية المعتمدة عليه ليست مربحة. فقد تم التخلي عنه في المجال الطبي لارتفاع كلفته. كذلك فشل نموذج سايك في إنتاج ذكاء اصطناعي شامل يمكن استخدامه رغم تزويده بسبعين مليار واقعة من المفروض أن تصف عالمنا.
في ٢٠٠٦، طور جيفري هنتون وفريقه خوارزميات التعلّم العميق بنشر نموذجهم الالتفافي. وفي الفترة نفسها، بدأت شركة إن فيديا المتخصصة في بطاقات العرض لألعاب الفيديو بالاستثمار في تطبيقات أخرى. فأصبحت قوة المعالجة في المتناول لتشغيل شبكات الخلايا العصبية الاصطناعية. ولكن ماذا عن البيانات الضرورية لتدريب تلك الخلايا؟ جاء الجواب من البروفسور] في-في لي من جامعة ستانفورد والتي صممت إميج نت (ImageNet) وهي قاعدة بيانات تحتوي على ١٤ مليون صورة أضيفت عليها تعليقات يدوية ومبوبة في ٢٠٠٠٠ فئة مختلفة. وفي ٢٠٠٩ وضعت هذه القاعدة في المشاع بحيث أصبح الوصول إليها حراً وأطلقت مباراة عالمية في التعرّف على الصور. وكان أول ثلاثة فائزين خوارزميات تعتمد النظرية الرمزية مع هامش خطأ راوح حول ٢٥ ٪. في ٢٠١٢، قام إثنان من طلاب هنتون هما ألكس كريزيفسكي وإيليا ستسكيفر بإقناعه بالاشتراك في المباراة. وكان الخوارزمي الذي طوراه يعتمد على شبكة الخلايا الالتفافية والمدرب على قاعدة إميج نت تعمل بشرائح إن فيديا. كانت النتيجة أنه كسح المنافسة.
منذ هذا الحدث، توجهت الأبحاث والاستثمارات في الذكاء الاصطناعي حصرياً نحو النظرية الاتصالية والتعلّم العميق. فالكمية الهائلة من البيانات المتوافرة بفضل الوب ٢ والتطور المدهش في شرائح العرض الرسومية شجعت عمالقة التكنولوجيا على الاستثمار الكثيف في شبكات الخلايا العصبية الاصطناعية. ويتيح التعلّم العميق تدريب الخوارزميات على اكتشاف عمليات الاحتيال المصرفية والتعرّف على الصور واستشراف النصوص والتحاليل الإشعاعية في الطب. ولم تشكل نسبة الأخطاء الملحوظة وعدم الموثوقية الذاتية لهذه التكنولوجيا أي عائق اقتصادي. فالقدرة على التعرف على الصور تسع مرات من أصل عشرة أو تحسين فهم النصوص من قبل محركات البحث يكفيان لينتجا عائدات استثمار سريعة.
في ٢٠١٣، قامت غوغل بشراء شركة كريزيفسكي وستسكيفر بـ٤٤ مليون دولار. وفي ٢٠١٤، اشترت الشركة الناشئة والناجحة البريطانية ديب مايند التي استثمر فيها بيتر ثيل وإيلون ماسك، بمبلغ ٤٠٠ مليون دولار. وما لبث عمالقة التكنولوجيا أن حذوا حذو غوغل، فبين ٢٠١٣ و٢٠٢١ ازدادت المبالغ التي دفعت جراء عمليات الشراء في مجال الذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون من ١٤ إلى ٢٣٦ مليار دولار. ولا تشمل هذه المبالغ ميزانيات الشركات الكبيرة المخصصة للأبحاث والتطوير والتي تقدر بعشرات المليارات سنوياً. ويترافق هذا التمركز مع الاستيلاء على العلماء فجذبت غوغل هنتون وستسكيفر وقامت فيسبوك بتوظيف يان ليكون الأب الآخر لشبكات الخلايا العصبية. وبشكل عام، بين ٢٠٠٤ و٢٠٢٠ تصاعدت نسبة الدكاترة المتخصصين في الذكاء الاصطناعي والذين وظفتهم الشركات الكبيرة من ٢٠ إلى ٧٠ ٪.
ويثير هذا التمركز للأبحاث في القطاع الخاص قلق المراقبين لا سيما وان التطورات العملية في هذا القطاع تهدد بإنتاج سيناريو شبيه بفيلم المُنهي. ويروّج نيك بوستروم، وهو فيلسوف يميل إلى نظريات تحسين النسل والمدى الطويل (Longtermism وهو تيار«فلسفي» مرتبط بالتكنوفاشية)، لسيناريو كارثي. ففي تجربته الفكرية حول محسّن إنتاج مشابك الورق (paperclip maximizer)، وهو ذكاء اصطناعي مبرمج لإنتاج أكبر عدد ممكن من المشابك، إذا تم تزويده بالوعي يمكنه أن يقرر إبادة البشرية بهدف تحسين إنتاجه للمشابك دون عوائق. فتزويد ذكاء اصطناعي سيء التصميم بقدرات تعلّم ذاتي يمكنه أن يؤدي إلى نتائج كارثية حتى لو تم تصميم هذا الذكاء بهدف تجاري محض.
ولاقت هذه الخرافة التبسيطية والعبثية رواجاً كبيراً في وادي السيليكون. ومن أشهر الذين تبنوا هذه النظرية علناً إيلون ماسك. فخلال مناسبة اجتماعية، ثارت ثائرته حين علم من صديقه لاري بيج أن هذا الأخير واثق من قدرة غوغل على تصميم ذكاء متفوق على الإنسان ولا يهمه النتائج المحتملة. وساهم شراء غوغل لشركة ديب مايند في إذكاء خوف ماسك: فما الفائدة من استعمار كوكب المريخ لإنقاذ البشرية إذا تخطاها ذكاء اصطناعي خارج عن التحكم؟ هذا الهاجس دفعه للاقتناع بحجج سام ألتمان الذي أقنعه بالاشتراك في تأسيس شركة ناشئة متخصصة في تطوير ذكاء اصطناعي وديع. وتهدف هذه الشركة إلى اللحاق بغوغل وتخطيها بالاعتماد على بنية لا تتوخى الربح لتحريرها من القيود الرأسمالية.
أطلق سام ألتمان وإليا ستسكيفر وغريغ بروكمان وإيلون ماسك شركة أوبن إيه.آي في ٢٠١٥. وشارك بيتر ثيل في التمويل الأساسي الذي بلغ مليار دولار. ووعدت الشركة التي لا تتوخى الربح بنشر نتائجها على شكل مصادر مفتوحة (open source) وحددت مهمتها «بالتأكيد أن الذكاء الاصطناعي الشامل (AGI) سيخدم البشرية جمعاء». وأدار ألتمان وماسك مجلس الإدارة واستلم ستسكيفر منصب المدير العلمي. ويتميز هذا الأخير بإيمان غليظ بشبكات الخلايا العميقة وهو مقتنع انه يكفي متابعة سياسة التوسع في النماذج (hypersaling) للاقتراب من الذكاء الاصطناعي الشامل مما يتطلب مضاعفة المتغيرات والقيم الثابتة والبيانات وقوة المعالجة الضرورية بتصميم النماذج. بمعنى آخر المطلوب هو بناء مراكز بيانات أكبر واستهلاك الموارد الطبيعية أكثر ومتابعة تخريب البيئة. لكن السؤال هنا هو أين يمكن تطبيق هذا المنطق التضخمي؟
جاء الجواب من مختبرات غوغل التي نشرت مقالاً علمياً في ٢٠١٧ يقتصر عنوانه على عبارة «الانتباه هو كل ما تحتاج إليه» (Attention is all you need). ويقترح المقال هندسة جديدة لتحقيق التعرف على النصوص واستشرافها اسمها «المحولات» (transformers). وتتيح هذه المحولات أخذ مجموعة كبيرة من الكلمات كمدخل بدلاً من الاعتماد على تحليل آخر جملة من نص ما كما كانت تفعله شبكات الخلايا الالتفافية المستخدمة إلى تلك الفترة. ويحسّن اعتماد السياق الأداء بشكل ملحوظ ويوفر إمكانات توسع جديدة. واستخدمت غوغل هذا الاكتشاف لتحسين أدوات الترجمة ومحركات البحث لديها. إلا أن ستسكيفر فكّر بتطبيق مختلف: إنتاج النصوص. فوفقاً لنظريته، سيشكل إجبار النماذج على إنتاج الكلام مسرّعاً قوياً للوصول إلى الذكاء الاصطناعي الشامل لأن ذلك يتطلب قدرة كبيرة على ضغط البيانات لإيجازها. وبالانطلاق من المثل الذي يقول «لا يمكن ابتكار ما لا نفهمه» يستنتج أن «الذكاء هو عبارة عن الضغط» وهذا مثير للسخرية عندما نعرف أن خوارزميات التعلّم العميق تتصرف كصناديق سوداء ضخمة في نظر المهندسين. والحال أن النموذج الذي ينتج من مرحلة التدريب غير مفهوم، إذ انه يعمل دون أن يفهم أحد كيف ولماذا بالضبط.
لم تكترث أوبن إيه.آي. بهذه المعضلة وقامت بالاستثمار بكثافة في هذا الاتجاه ثم أطلقت في السنة التالية أول إصدار من نموذج اللغة الكبير (Large Language Model أو LLM) تحت اسم جي.بي.تي. ١ (Generative Pre-trained Transformer أو GPT). وحضر إيلون ماسك عرضاً لهذا النموذج دون أن يدرك إمكانات هذا التطور إذ أن انتباهه كان مشدوداً في اتجاه آخر. وما لبث أن وقع الخلاف بينه وبين ألتمان على السيطرة على الشركة. فاعتبر ماسك أن التطور في الشركة بطيء جداً وتحتاج أوبن إيه.آي. إلى إدارة جديدة ورؤوس أموال إضافية لمنافسة غوغل وأراد دمجها في شركة تسلا التي دخلت جهودها في مجال الذكاء الاصطناعي بمنافسة مباشرة مع أوبن إيه.آي. من حيث شراء المعدات وتوظيف الأخصائيين. ونجح ألتمان في هذه المبارزة ودفع ماسك إلى الانسحاب من الشركة. ومن نتائج هذا الصراع أن أوبن إيه.آي. ستتخلى تدريجياً عن نموذجها الذي لا يتوخى الربح وبإطلاق جي.بي.تي. ٢ أخلت بوعدها في الشفافية بالكامل واضعة حد للمصادر المفتوحة.
ونبّه تطور جي.بي.تي. ٢ بعض الخبراء في أوبن إيه.آي. إلى الاستخدامات السيئة التي يمكن أن تؤدي إليها (إنتاج معلومات مضللة، تلاعب بالنقاشات، إنتاج نصوص تسوق أفكار عنصرية أو عنفية ...). وتخوّف آخرون من خطر الوصول سريعاً إلى الذكاء الاصطناعي الشامل قبل وضع الضوابط اللازمة. تجاهل سام ألتمان ونائب الرئيس للأبحاث داريو أمودي [6] قلق الخبراء. فبرأيهما، أفضل وسيلة لتجنب الأخطار الناتجة عن نماذج اللغة الكبيرة هي في تسويق أضخم نموذج ممكن في أسرع وقت مما جعل من جي.بي.تي. ٣ مشروعاً ضخماً يتطلب كميات هائلة من البيانات وآلاف شرائح العرض الرسومية المباعة بعشرات آلاف الدولارات للشريحة الواحدة. وللوصول إلى هذا الهدف اعتمدت أوبن إيه.آي. على شراكة مع مايكروسوفت التي قدمت أجهزة خدمة ومليار دولار كتمويل. ودفع هذا الاستثمار ألتمان إلى تسريع إطلاق جي.بي.تي. ٣ بسرقة كميات غير مسبوقة من البيانات ومنها كتب تخضع للملكية الفكرية لتدريب نموذجه. وتم توظيف يد عاملة بأجور بخسة معظمها من العالم الثالث لتنفيذ عمليات التدريب تحت رقابة الشركة. وكانت النتيجة ظهور العميل التحاوري تشات جي.بي.تي. في إصداره العمومي في أواخر ٢٠٢٢.
وتخطى تأثير هذا الظهور الإطار التجاري إذ فرضت أوبن إيه.آي. نموذج تطوير نيوكولونيالي يعتمد على التوسع المفرط للنماذج. فتحسين هذه النماذج يتطلب زيادة دائمة في البيانات وفي مراكز البيانات وفي قوة المعالجة مما يعني مزيد من استهلاك الموارد الطبيعية (ماء وكهرباء ومعادن) وتلوث وانبعاث للغازات المسببة للاحتباس الحراري وسرقة بيانات واستغلال لليد العاملة الرخيصة. ويسبب هذا الهروب إلى الأمام حلقة مفرغة يتلاقى داخلها لأسباب تجارية محض التلاعب والنفاق المذكورين في المقدمة. وبرهنت أبحاث شركة أبل ما قاله عدد من الخبراء سابقاً: ليس بمقدور نماذج اللغة الكبيرة أن تتمتع بالتفكير المنطقي ولا أن تفهم جوهر ما تفعله. فتكتفي بتخمين باقي الكلمات الأكثر احتمالاً من أجل إنتاجها لتستكمل المعلومة المدخلة إن كانت حواراً أو مسألة رياضية معقدة أو برمجة معلوماتية. فاعترف يان ليكون نفسه أن نماذج اللغة الكبيرة تشكل طريقاً مسدوداً للذين يرغبون في تطوير الذكاء الاصطناعي الشامل بينما يقر أرباب التوسع المفرط أن هذه النظرية ذات المردود التنازلي وصلت إلى حدود أدائها. ولا تمنع هذه الوقائع أوبن إيه.آي. ومنافسيها من تغذية خطاب يحيك الخرافات حول الإمكانات الفعلية لهذه الأنظمة. ويبرر هذا الخطاب الهروب إلى الأمام في الاستثمارات وبناء مراكز البيانات التي أدت بصمتها الكربونية المطردة إلى إعادة تشغيل مناجم الفحم الحجري والتخلي عن الأهداف المناخية. وحتى بيل غيتس ورئيس غوغل السابق إريك شميت يعتبران أن السعي وراء الذكاء الاصطناعي الشامل يبرر العدول عن خفض انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري. وبالنسبة إليهما فسيتم حل الأزمة المناخية بواسطة ذكاء اصطناعي قدير يتطلب تطويره زيادة كبيرة في انبعاث ثاني أوكسيد الكربون.
وبانتظار هذا الحل، تجهد أوبن إيه.آي. ومنافسيها لجعل منتجاتها مدمِنة. وتغذي الروبوتات الالتباس حول قدراتها الفعلية وطبيعتها الحقيقية. فبكلمات الفيلسوفة آن الوبير، «ليس هناك حالة أكثر ربحية للشركة من الحالة حيث تقع في غرام منتجاتها». ولا يهم أن تقدم الروبوتات إجابات إباحية أو تتحرّش بالأطفال أو تقنع بعض مستخدميها بتنفيذ عمليات قتل أو آخرين بالانتحار. فأسهم تيسلا ارتفعت بشكل كبير فوق جثث ضحايا مساعد القيادة الذي صممته وقدمته زوراً بأنه سائق آلي. ويمكن لأوبن إيه.آي. أن تفرض تشات جي.بي.تي. كصديق موثوق رغم ميله إلى الهلوسة، فالنتائج المجتمعية ما هي إلا عوامل خارجية سلبية تتيح لسام ألتمان وأقرانه زيادة ثرواتهم وتسلطهم.
الخاتمة: نحو التكنوفاشية وما بعدها
من خلال هذا التاريخ الموجز لوادي السيليكون تتجلى الآليات الكامنة في قلب آلة الابتكار الكالفورنية. وفي ما يلعب رجال الأعمال أدوار عرضية، تشكل الاستثمارات العسكرية والبحث العلمي الحكومي والنسيج الجامعي العوامل الحاسمة. ويكمّل الآلية تمويل الرأسمال المغامر والبنى الاقتصادية والاجتماعية. فمن الصعب تحديد مخترع واحد لجهاز الكمبيوتر أو شبكة إنترنت أو منصات التواصل الاجتماعي أو التعلّم المعمق. وكما أن إبادة عشيرة الألون كانت ستحصل مع ليلاند ستانفورد أو بدونه، كذلك لم يكن يحتاج اكتشاف الترانزيستور إلى ويليام شوكلي. فطبيعة الابتكارات الصادرة من وادي السيليكون وانتشارها تعتمد على القوى الاجتماعية الاقتصادية المعاصرة لها. وكان يمكن أن تكون شبكة إنترنت فضاءً ديموقراطياً أو كان يمكن للبرامج الحرة أن تقهر البرامج التجارية ذات الملكية الفكرية ولكن هل كان يمكن للذكاء الاصطناعي الحالي أن يظهر دون شركة أوبن إيه.آي.؟
بالنسبة إلى الصحافية كارن هاو، الجواب هو كلا. فغوغل لم يتجرأ على سرقة البيانات المحصنة بحقوق النشر كما فعلت أوبن إيه.آي. [7] لأنها خشيت مقاضاتها. ولم تتجرأ أي شركة أخرى على حرق مليارات الدولارات من الاستثمارات دون هدف تجاري واضح. ولم تتجرأ شركة أخرى من طرح تشات جي.بي.تي. في الأسواق دون أي احتياطات فعلية. ولم يُقنع إطلاق تشات جي.بي.تي. ٢ الشركات الأخرى باعتماد استراتيجية أوبن إيه.آي. إلا بعد فترة. فبفضل شبكة مستثمريها وقدرة سام ألتمان على جذب الرأسمال وبنيتها القانونية العجيبة شكلت أوبن إيه.آي. نموذجاً فريداً من نوعه. والاتجاهات العقائدية لمستثمريها وقدرتهم التمويلية اللامتناهية يفسران الاتجاه الذي اتخذته الشركة بإدارة رئيسها الطموح.
كما العديد من أقرانه، نشأ سام ألتمان في بيئة اجتماعية ميسورة. وحصل على أول جهاز كمبيوتر عندما كان في الثامنة من عمره لتعلّم البرمجة. وبعد المرور في إحدى المدارس الخاصة المرموقة إلتحق بجامعة ستانفورد لدراسة المعلوماتية. وفي ٢٠٠٥ أسس شركة لوبت وبعد النجاح في جذب تمويل مهم، ترك الدراسة. ثم بيعت الشركة بـ٤٨ مليون دولار وهو المبلغ ذاته الذي تم استثماره فيها وهو فشل لم يتسبب بأي ضرر على ألتمان. يتميز ألتمان بموهبة خارقة في بيع الأفكار ويوصف بأنه يملك قدرة إغراء لا تضاهى يوظفها للحصول على أكبر قدر من السلطة. وكثيراً ما اتُهم بإخفاء وقائع وبخداعه مما أدى إلى عدة محاولات لطرده من الشركات التي يديرها (لوبت في ٢٠١١ ثم أوبن إيه.آي. في ٢٠٢٤). ويعود نجاحه إلى حد بعيد إلى بول غراهام مدير شركة واي كومبينيتور. ففي العقد الثاني من القرن الحالي، كان هذا الحاضن للشركات الناشئة يذبح بظفره في وادي السيليكون ووضع سام ألتمان تحت جناحه وأدخله إلى واي كومبينيتور كشريك. وسمح هذا المنصب لألتمان بإنشاء شبكة علاقات وتجميع ثروة بفضل استثمارات دسمة. وفي ٢٠١٤ ورث ألتمان منصب مدير الشركة وتوسعت سلطته بمساعدة مرشده بيتر ثيل الذي لقّنه نظريته الاحتكارية وعقيدته عن النمو بكل الوسائل. وانغمس ألتمان في تيارات الليبرتارية ذات الاتجاه التكنوفاشي التي انتشرت في وادي السيليكون في العقد الثاني من القرن الحالي. ومثل إيلون ماسك، تعاطى ألتمان المخدرات الترفيهية ومثل ثيل، استثمر في شركات إطالة الحياة ذات الاتجاهات الما بعد إنسانية وموّل مبادرات إنشاء المدن-الدول الليبرتارية الانفصالية وأبدى اهتماماً بالنظريات البقائية (survivalism). ومن أجل تسويق نظرته للذكاه الاصطناعي، لم يتردد ألتمان في احتكار سرديات نهاية العالم والنظريات التسريعية التي هي جزء من عقيدة التكنوفاشية.
أخيراً افتضح أمر ألتمان حين دعم في الظاهر قرار أنثروبي رفض طلب الإدارة الأميركية استخدام منتجها كلود لتعميم مراقبة المواطنين والتحكم بالأسلحة دون تدخل من الإنسان وعندما أوقفت هذه الإدارة العقد مع أنثروبي دخل هو على الخط (من وراء ظهر أنثروبي) ليوقع العقد الذي يستخدم تشات جي.بي.تي. لهذه الأغراض بالذات مما دفع بمئات آلاف مستخدمي تشات جي.بي.تي. إلى هجره. [8].
هذا بالطبع لا يجعل من داريو أمودي ملاكاً ولا من أنثروبي شركة أخلاقية. فإذا رفضت الشركة طلبين للحكومة الأميركية فهي وافق على ٩٨ طلب آخر. ولا ننسى ان نموذجها كلود هو الذي حدد مدرسة ميناب في إيران كهدف عسكري مما اسفر عن استشهاد ١٦٠ طفلة بصواريخ النظام الأميركي [9].
ومع نجاح تشات جي.بي.تي.، ابتعدت أوبن إيه.آي. عن هدفها الأساسي في تطوير ذكاء اصطناعي شامل ودّي. وأصبح استبدال العمال بخوارزميات وتدهور ظروف عمل الذين بقوا الهدف الخفي لمارك أندرسن ولتشات جي.بي.تي. ٥ ولشركة أنثروبي. وتترافق هذه الاتجاهات مع الاحتشاد الظاهر لجميع مسؤولي التكنولوجيا خلف دونالد ترامب. وشهدنا المظاهر الكاريكاتورية مثل إيلون ماسك مع تأدية السلام النازي ووزارته للكفاءة الحكومية من جهة، ومن جهة أخرى جنود الظل الذين يضعون حلفاءهم في المراكز الحكومية الحساسة. ونجح مارك أندرسن في الحصول على رفع القيود عن الذكاء الاصطناعي ودمج العملة المشفّرة في النشاط المالي التقليدي. وأصبح ديفيد ساكس المسؤول الأول عن الذكاء الاصطناعي والعملة المشفّرة في الحكومة (وهما تقنيتان تعتمدان أكثر فأكثر على الصرعات الدعائية والدعم الحكومي) بينما صار بيتر ثيل أكبر مؤثر في وزارة الكفاءة الحكومية ووضع رجله في مركز نائب رئيس البلاد. واشترى لاري إليسون وسائل الإعلام واحدة تلو الأخرى قبل أن يضع يده على تيك توك لتطبيق شكل جديد من التحكم بالمعلومات. وتطول اللائحة ومظاهر التكنوفاشية وداعميها.

على عتبة الربع الثاني من القرن الحالي، يبدو أن هناك اتجاهان يتبلوران. من جهة، دخلنا في عصر «التكنوتزوير» (FakeTech) الذي ظهرت بوادره عندما نصح لاري إليسون إليزابث هولمز إحدى مؤسسي عملية النصب التي كان اسمها تيرانوس «ببناء الطائرة خلال طيرانها» [10] وتأكدت ولادته حين انهارت إمبراطورية سام بانكمان فرايد للعملة المشفرة التي ليست في الحقيقة إلا مخطط بونزي (Ponzi) مما أدى بصاحبها إلى الالتحاق بإليزابث هولمز في السجن بتهمة الاحتيال الموصوف. فبعد خرافة الأوبرة السعيدة والوعود الفارغة بالسيارة ذاتية القيادة جاءت خزعبلات العملة المشفرة. تم تقديم هذه العملة على أنها بديل لا مركزي من المالية العالمية وقام دونالد ترامب بمأسستها لتكون أفضل وسيلة للتحكم بمصائر الناس بعد ان تحل مكان العملة الحالية. فلم يعد هدف الابتكارات إطلاق منتجات تخدم المستهلك بل صارت تهدف إلى التلاعب به ووضعه في حالة إدمان. وكل شيء مقبول من أجل إنتاج صرعات وجذب الاستثمارات ونفخ أسعار أسهم البورصة كما أكده ظهور «فقاعة الذكاء الاصطناعي» كما سمّاها سام ألتمان.
ومن جهة أخرى، نشاهد صعوداً ملحوظاً لتكنوفاشية تجاهر بمواقفها علناً. فتتكفل شركة بالانتير بتعقّب الذين ليس لديهم إقامة خدمة لدونالد ترامب وتعرض تيك توك وإكس صور غارات اعتقال المهاجرين متبرجة بواسطة الذكاء الاصطناعي لتظهر أكثر جاذبية لمؤيّدي ترامب الفاشيين. ويكبر نظام غروك (Grok) على ظهر الخدمات العامة التي مزقها إيلون مسك ووزارته للكفاءة الحكومية. ويصرف غوغل ملايين الدولارات على الترويج لحكومة نتنياهو الإبادية. وأبعد من الانتهازية المالية، يندرج هذا التحالف ضمن انتساب أيديولوجي واضح. وتعكس إديولوجيا تحسين النسل التي يتبناها بيتر ثيل وإيلون ماسك صورة تاريخ غامض لوادي السيليكون. حاولنا الإضاءة عليه هنا.
وكما توضح ناستازيا حدحاجي وأوليفييه تيسكي [11]، تتجلى التكنوفاشية من خلال تيارات غير متجانسة ولاعبين متنوعين. وتؤدي إلى ثورة مضادة حيث «تستخدم الحداثة التكنولوجية لقهقرة الحداثة السياسية». فيتم استبدال الممارسة الديموقراطية بتمركز سلطة غير معهود حتى الآن في أيدي أشخاص يتبنون أيديولوجيا ترتكز على إنكار البشرية. وكوكبة أقمار سبايس إكس التي تهدد طبقة الأوزون والمدى الطويل الذي يبرر التضحية بالحاضر من أجل انبثاق ذكاء اصطناعي كلي القدرة والمراقبة الجماعية التي يبشرنا بها أمثال ثيل وإليسون تعتمد كلها على ركيزة واحدة وواضحة.
ومع أن عمالقة التكنولوجيا لا يتورعون من إظهار تأييدهم لدونالد ترامب في نسخة ٢٠٢٤، كانوا قد رفضوا الانضمام إلى هيئته الاقتصادية في ٢٠١٧. في تلك السنة تمكن موظفو غوغل من إرغام الشركة على التنازل عن شراكتها مع السلطات الصينية. وأُجبر رئيس أوبر على رفض دعوة من البيت الأبيض من جراء احتجاجات السائقين والمهندسين في الشركة. كما أن إيلون ماسك قطع علاقاته مع الحكومة بعد انسحابها من اتفاقات المناخ. وإذا كان هؤلاء أنفسهم يتمظهرون اليوم إلى جانب ترامب فلأن العلاقة بين الرأسمال والعمل تغيرت. فما حصل أن موجات التسريح ما بعد جائحة كورونا والتي تسببت بها ارتفاعات الفوائد ونضب المال الرخيص مرت من هنا. كذلك فإن تمركز رأس المال والسيطرة على احتكارات لا تتزحزح تحمي كبار التكنولوجيا من غضب المستخدمين.
من المعروف ان حروب الولايات المتحدة في أحد جوانبها هي خدمة للصناعات العسكرية ولكن مع الإبادة في غزة وهجوم الرجل الأبيض على إيران، صارت الحرب تخدم أيضاً التكنوفاشية المتمثلة بشركات مثل بالانتير وأوبن إيه.آي. وأنثروبي والتي جنت المليارات من جراءها.
لكن لا يخلو وادي السيليكون من التناقضات. فرغبة الموظفين في التحرر تتعارض مع الأيديولوجية التوتاليتارية لزعماء التكنولوجيا. ويصطدم الطلب على الذكاء الاصطناعي التوليدي بمحدودية الموارد الطبيعية مما يؤدي إلى تدني تدريجي لأداء المنصات. وأدّت القذرنة إلى تراجع كبير في استخدام منصات التواصل الاجتماعي. وفي استبدال محرك البحث لديها بذكاء اصطناعي تنشر غوغل الغصن الجالسة عليه. كذلك تصطدم ضرورة إيجاد مخارج لنماذج اللغة الكبرى برفض يتعاظم من الجمهور ومسؤولي الشركات الذين يتراجع اقتناعهم بفوائدها. وبدأنا نشهد إضرابات تتميز بمطالب ضد الذكاء الاصطناعي ودعاوى ضد سرقة حقوق الملكية والإجراءات الجماعية لرفض استخدام الذكاء الاصطناعي في بعض القطاعات الاقتصادية والمقاومات المحلية لبناء مراكز البيانات الضخمة.
في النهاية، إن ظهور أشخاص مثل رجال التكنولوجيا الحالية وأفكار مثل التي يسوقونها وجهاز حكم مثل منظومة ترامب لا يبشر الا بشيء واحد وهو أفول الامبراطورية الأميركية وسقوطها الذي قد يكون مدوٍ.
[1] العديد من الشركات الناشئة اقترحت التعامل مع القطاع المصرفي
[2] حسب هذه النظرية، ليست رغبة الإنسان ذاتية او عفوية بل تقليدية بامتياز: نرغب ما يرغبه الآخرون ليس للقيمة الجوهرية للشيء المرغوب لكن لأن رغبة الأخرين تجعله مغرغوباً مما يحول الراغبين الى خصوم يطلقون منافسة قذ تصبح هدّامة.
[3] فشلت الإطلاقات الثلاثة السابقة لأسباب عدة منها تهور ماسك واحتقاره لمعايير السلامة في مجال الهندسة.
[4] Palantir من Palan أي مراقبة وtir من بعيد في لغة إلفيش التي اخترعها البريطاني ج. ر. ر. تولكين في روايته سيد الخواتم.
[5] Anduril أي شعلة الغرب
[6] الذي سيترك أوبن إيه.آي. في ٢٠٢١ لتأسيس شركة أنثروبيك.
[9] مع ان هذا النظام لا يحتاج الي ذكاء اصطناعي مثل كلود ليرتكب المجازر. أنظر https://mail.google.com/mail/u/0/#i....
[11] أنظر المرجع رقم ٢.






