الصفحة الرئيسية > صحيفة الحياة > الايجابيات والسلبيات في فرض الحماية على برمجيات الكومبيوترات الشخصية
الايجابيات والسلبيات في فرض الحماية على برمجيات الكومبيوترات الشخصية
السبت ١٥ أيار (مايو) ١٩٩٩, بقلم
المعادلة الصعبة في صناعة برمجيات الكومبيوتر تكمن في المحافظة على حقوق المطوّر والمستخدم معاً إلا ان هذا لم يتحقق دائماً. جورج قندلفت يتناول هنا جانباً من هذه المشكلة المعقدة.
اكثر ما يعجبني في مايكروسوفت هو انها توفر لي دائماً مادة دسمة لمقالاتي. فعندما تشحّ الافكار لدي ولا اجد موضوعاً مناسباً للكتابة عنه اعود دائماً الى اخبار مايكروسوفت لأنهل ما يمكّنني من الاستمرار في الكتابة. فيكفي احياناً ان اقرأ خبراً عن الشركة في الصحافة او يصلني خبر صحافي منها لأعثر على ما يستأهل التعليق والنشر.
وبما انني اليوم لم اجد ما اكتب عنه، تذكرت انني قرأت منذ حوالي الشهر (لا اذكر في اي مطبوعة) ان مايكروسوفت تختبر نظام حماية لادخاله على رزمة اوفيس ٢٠٠٠ لمنع نسخها. ولا اذكر انني فوجئت بهذا الخبر لأنني اعرف ان بيل غيتس عبّر اكثر من مرة عن استيائه من الذي ينسخون برامجه دون شراء ترخيص.
وقد يكون هذا الخبر صحيحاً وقد لا يكون، الا ان مايكروسوفت دفعتني مرة اخرى الى التأمل في مسألة حماية البرامج وقضيت ثوان طويلة اقلّب المسألة. وبما انني لا اسرق شخصياً برامج مايكروسوفت (الا اذا اعتبرنا ان النسخات التي يحصل عليها الصحافيون لاستعراضها هي سرقة) تساءلت لماذا حيّرني موضوع الحماية هذا.
المسألة الحقيقية هنا هي ان سعر برنامج ما هو السعر الذي يتمكن المبرمج من اقناع المستخدم بدفعه. وعندما تكون سوق هذا البرنامج ضيقة ومن المتوقع ان لا يباع منه نسخ عديدة، يصبح من السهل ربط سعره بكلفة تطويره. فعلى سبيل المثال، اذا طلب مني احدهم كتابة برنامج معين (وهذا ما حصل فعلاً في السابق)، أحدد الفترة التي اعتقد ان العمل على هذا البرنامج سيستغرقها ثم اضاعفها واضربها بسعر ساعة العمل واعود فأضاعف النتيجة واخيراً اضيف عليها قليلاً لأحدد ما سأطلبه لقاء عملي. اما القاعدة الوحيدة المستخدمة هنا لتحديد سعر تطوير البرنامج، فتعتمد على شيء واحد هو الوقت. ومن المعروف ان عمل كهذا يتطلب دائماً وقتاً اطول بكثير من الوقت الذي يقدره المبرمج في البداية، لذلك اقوم بمضاعفة التقدير مرتين على الاقل في عملية تحديد الكلفة. وحتى مع استخدامي لهذه القاعدة، لم يحصل مرة واحدة انني جمعت ثروة من نشاط التطوير.
ما اريد الوصول اليه هنا هو انني اذا قمت بتطوير برنامج خصيصاً لمستخدم واحد، يتصل السعر الذي اطلبه مباشرة بحجم العمل الذي سأقوم به. ولكن ماذا يحصل اذا جاء بعد ذلك مستخدم آخر وطلب المنتج نفسه دون تغيير؟ من الواضح هنا انني لن انفذ اي عمل اضافي لتزويده بالبرنامج لذلك يصبح من البديهي ان اطلب سعراً رمزياً يغطي كلفة نسخ البرنامج وينتهي الامر.
في الحقيقة لا يتم الامر على هذا الوجه لأن العملية لن تقتصر على إعطاء البرنامج للمستخدم الثاني بل على ان اوفر الدعم التقني للبرنامج وان اجد حلولاً للاسئلة التي قد يطرحها علي المستخدم حول عمل البرنامج واهم من ذلك كله ان اصحح الاخطاء التي دخلت عليه لا سيما وانني اواجه الآن شخصين يشتكيان منها وليس شخصاً واحداً.
في النهاية، يصبح من الواضح ان السعر الذي ساطلبه لقاء تطوير البرنامج متصل مباشرة بكلفة التطوير ومقسوم على عدد المستخدمين الذين من المتوقع ان يشترونه زائد كلفة دعم البرنامج مضروبة بعدد المستخدمين الذين من المتوقع ان يشترونه.
ان تحديد السعر بهذه الطريقة يشكل عملية حسابية تقريبية ولكن اهدف من خلالها الى توضيح مسألة بسيطة هي انه بعد انشاء النسخة الاولى من البرنامج تصبح النسخات اللاحقة قليلة الكلفة وبالتالي منخفضة السعر. وعلى ضوء ذلك اذا نظرنا الى شركة تسيطر على سوق هائلة مثل مايكروسوفت، نجد انه في حال تطبيق معادلتنا السابقة وتقسيم كلفة انتاج برنامج مثل وورد على عدد مستخدميه، نحصل على سعر لا يتعدى الصفر الا بقليل. ومعنى ذلك ان السعر الذي ندفعه مقابل نسخة من برنامج وورد هو في الحقيقة سعر دعم هذا البرنامج وتصحيح اخطائه. ويمكنني ان اجزم هنا انني في كل السنوات التي استخدمت فيها الكومبيوتر لم احصل ابداً لا انا ولا كل الذين اعرفهم على مقدار دعم من اي شركة برامج كبيرة يبرر سعر شراء هذه البرامج. ويعود ذلك من جهة الى انني لا احتاج الى هذا الدعم ومن جهة اخرى انني في حال حاجتي اليه اعلم يقيناً انني لن احصل عليه. اما تصحيح الاخطاء، فيبدو، على ضوء خبر آخر قرأته عن مايكروسوفت، ان الشركة ستبدأ بتقاضي مبلغ مالي مقابل تصحيح اخطاء ويندوز ٩٨ الذي سيتوافر بنسخة مصححة قريباً، مما يعني ان السعر الذي دفعه المستخدم لهذا النظام سابقاً لم يكن حتى مقابل تصحيح اخطائه (اننا نعيش زمناً مدهشاً ندفع فيه سعر منتج غير سليم ثم نعود فندفع سعر تصحيحه). لذلك فإن دوري يقتصر عموماً على المساهمة في زيادة ارباح شركة البرامج.
لنتأمل الآن المستخدم الشرير الذي يثبت اكثر من نسخة واحدة من برنامج ما دون دفع بدل ترخيص اضافي. ولا نتكلم هنا عن النسخ والبيع بكميات كبيرة كما يفعل القراصنة الفعليين ولكن عن استخدام متعدد وعلى صعيد ضيق لقرص ليزر واحد. واذا صحّ خبر تزويد اوفيس ٢٠٠٠ بنظام حماية، يكون هذا النوع من النسخ هو الذي تريد مايكروسوفت سحقه. وتقدر دراسات عديدة ان الشركات الصغيرة تدفع سعر حوالي ٥٠ ٪ من البرامج التي تستخدمها فعلياً (تنطبق هذه التقديرات على الشركات الغربية طبعاً)، مما يعني ان نظام حماية اوفيس ٢٠٠٠ (اذا حصل) سيأتي للقضاء على هذه الظاهرة. ويعني ذلك ايضاً انه في المستقبل القريب يتحتم على الشركات الصغيرة دفع نسبة ١٠٠ ٪ من كل البرامج التي تستخدمها.
وقد تسأل مايكروسوفت اين العيب في ذلك؟ فحتى الاستخدام المتعدد على صعيد ضيق يعتبر سرقة. هذا صحيح الا انه مما لا شك فيه ان مايكروسوفت تحدد سعر برامجها بحيث تأخذ في الحسبان المبيعات الضائعة من جراء الاستخدام المتعدد وحتى كلفة الدعم المتواضع جداً اذا وجد. فإذا ادى نظام حماية الرزمة الى تعويض المبيعات التي كانت ضائعة، يصبح من المنطقي ان يواكب ادخال هذا النظام تخفيض في سعر الرزمة بنسبة لا تقل عن ٥٠ ٪، اليس كذلك؟
شخصياً لا اعتقد ان هذا ما سيحصل كما لا اعتقد ان نوعية البرامج نفسها او دعمها التقني سيتحسنان كنتيجة لزيادة المبيعات دون تخفيض السعر. هذا اذا لم نعتبر ان عملية الحماية على الرزمة قد تتسبب بمزيد من الاخطاء (فالبرامج الحالية معقدة بما فيه الكفاية دون ادخال تقنيات حماية عليها) مما قد يخفض من مستوى اداء الرزمة. واعتقد انه عندما يكتشف المستخدمون انهم اصبحوا لا يكتفون بدفع سعر كل نسخة يستخدمونها بل سيحصلون على اخطاء ومشاكل اضافية لن يكونون مسرورين على الاطلاق.
ان سعر البرامج الاكثر انتشاراً في سوق الكومبيوتر يساوي ما سيدفع الناس للحصول عليها لا اكثر ولا اقل. وفي حال ادخلت مايكروسوفت نظام حماية على رزمتها، تكون قد ضاعفت سعر هذه الرزمة. فما التأثير الذي قد تتركه هذه الزيادة؟ اترك الجواب للقراء يقيمونه كما يريدون ولكن في هذه الحال تصبح فكرة البرامج المجانية اكثر جاذبية بكثير من السابق وفي حال تعميمها على الغالبية من المستخدمين قد تعطي زخماً جديداً للابتكار وتحول دون تهافت القيمين على الدول لاستقبال مجرد بائع برامج مثل بيل غيتس وتنفيذ رغباته.
نحن في انتظار لينكس.
