الصفحة الرئيسية > صحيفة الحياة > التوافق الرجعي في الكومبيوتر: هل ولى عهده تحت مطارق انفلات المقاييس؟

لوحات منطقية لا تقبل البطاقات وبطاقات لا تقبل المنطق!

التوافق الرجعي في الكومبيوتر: هل ولى عهده تحت مطارق انفلات المقاييس؟

الأحد ٥ شباط (فبراير) ١٩٩٥, بقلم جورج قندلفت

لا شك ان جميع الذين يستخدمون الكومبيوتر يعرفون معنى عبارة اجهزة متوافقة. فمنذ اطلقت اي.بي.ام. الكومبيوتر الشخصي الاول وسمحت بتقليده ظهرت هذه العبارة لتعني ان الاجهزة التي قامت اطراف ثالثة بتصنيعها تتوافق كلياً مع كومبيوتر اي.بي.ام. الشخصي خاصة في مجالين هما هندسة الجهاز الداخلية والخارجية المشابهة لهذا الاخير ودعمها لانظمة التشغيل نفسها. اي بمعنى آخر، تأتي هذه الاجهزة مزودة بالمعالج نفسه الموجود في كومبيوترات اي.بي.ام. والمثبت على لوحة اساسية (motherboard) مشابهة تحتوي منافذ التوسع نفسها وتتيح الاجهزة تشغيل البرامج نفسها.

غير ان هناك امر ينساه الكثيرون وهو ان هذه الاجهزة يجب ان تتوافق مع بعضها اضافة الى توافقها مع اجهزة اي.بي.ام. اي بمعنى آخر يمكن للمستخدم عندما يقتني طرفية معينة (شاشة او طابعة) او قرص ثابت جديد او بطاقة توسع او اي تطبيق ان يثبت ما اقتناه في اي جهاز لديه.

وفرض هذا التوافق، الذي صار يعرف بالتوافق الرجعي (backward compatibility)، نفسه على مطوري الاجهزة والبرامج بشكل حد من الابتكارات الثورية وفرض على هؤلاء المطورين نمط من التفكير المحافظ الذي ادى الى بطء شديد في تطور هندسة الكومبيوتر والبرامج التي تديره.

واوضح مثال على ذلك يأتي من شركة انتل اكبر مصنع لمعالجات الكومبيوتر. فقد فرض التوافق الرجعي على هذه الشركة الالتصاق بهندسة سيسك بينما تدل المؤشرات كلها ان التطور الكبير سوف يأتي من هندسة ريسك (سنخضع لسياسة بالحياةا الحالية ولن نغوص في التنظير حول الفرق بين الهندستين). وقد يجهل عدد من المستخدمين ان معالج بنتيوم الذي يعتبر اقوى المعالجات المتوافرة حالياً على الكومبيوترات الشخصية واسرعها لا يختلف بهندسته الاساسية عن معالج ٨٠٨٨ الذي دخل في تصميم كومبيوتر اي.بي.ام. الشخصي الاول منذ ما يقارب ١٤ سنة وذلك رغم تغيير انتل لعادة اطلاق اسماء ٨٠x٨٦ على معالجاتها. وهذا لا يعني ان انتل لا تملك الخبرة او القدرات لتطوير معالجات تدعم هندسة ريسك بل هو مرة اخرى التوافق الرجعي الذي يفرض عليها متابعة تطوير هندسة سيسك ومحاولة استخلاص كل ما تبقى من هذه الهندسة لزيادة سرعة معالجاتها.

اما مطوري البرامج، فقد انتظروا السنة الحالية وظهور انظمة تشغيل مثل او.اس./٢ وويندوز ٩٥ (المتثاقل في الظهور بعض الشيء) لكي يبدأوا بتطوير تطبيقات ٣٢ بت السريعة هذا مع العلم ان هذه الانظمة تتمكن من تشغيل التطبيقات السابقة دون اللجوء الى المحاكاة. فقد فرض عليهم التوافق الرجعي متابعة تطوير برامج ١٦ بت رغم ظهور معالجات تدعم هندسة ٣٢ بت.

لكن رغم هذه العقبات التي يضعها التوافق الرجعي امام التطور السريع لتقنية الكومبيوتر فقد كانت السبب الاساسي والمباشر في انتشار الكومبيوترات الشخصية وانظمتها على اكثر من ٨٥ ٪ من المستخدمين في العالم. فقد كان للتوافق مع اجهزة اي.بي.ام. الفضل الاول في انتشار الاجهزة الشخصية في اوائل الثمانينات غير ان التوافق الرجعي مع الاجهزة والتطبيقات السابقة كان له الفضل في متابعة هذا الانتشار وتعميمه على معظم مستخدمي الكومبيوتر.

ويعرف جميع هؤلاء المستخدمين ان بامكانهم تبديل اجهزتهم باجهزة احدث واسرع مع الحفاظ على كل ما يملكونه من اجهزة طرفية وبطاقات توسع وبرامج تطبيقية وبالتالي الحفاظ على كل استثماراتهم السابقة. ويبدو تأثير هذين النوعين من التوافق كبيراً لدرجة ان الذين ينتجون اجهزة غير متوافقة يلجأون الى الابتكارات الثورية التي تدخل تغييرات جذرية على خطوط انتاجهم لا تتوافق مع قاعدة مستخدميهم. ونعني بذلك شركة ابل التي انتقلت فجأة من هندسة سيسك (معالجات موتورولا) الى هندسة ريسك (معالجات باور بي.سي.) رغم عدم توافق هذه الاخيرة مع الاجهزة (لا يمكن مثلاً نقل شرائح الذاكرة من ماكنتوش الى باور ماكنتوش) والتطبيقات المتوافرة حالياً الا عن طريق المحاكاة. وتسمح ابل لنفسها اعتماد هذه الخطوة لأن قاعدة مستخدميها لا تتعدى ١٥ ٪ في احسن الاحوال من جهة، ومن جهة اخرى فهي حالياً الوحيدة التي تطور اجهزة ماكنتوش وانظمة تشغيلها. وربما يذكر الجميع ان احد اهم عناصر حملة ابل الاعلانية لدى طرحها باور ماكنتوش هو تمكن هذه الاجهزة من تشغيل تطبيقات ويندوز مثل الكومبيوترات الشخصية بفضل قوة هندسة ريسك. اي ان ابل اقدمت على ادخال تغييرات جذرية في منتجاتها للاستفادة من مفهومي التوافق والتوافق الرجعي اللذين يعمما استخدام الكومبيوتر الشخصي على سواد المستخدمين.

ومن اجل الحفاظ على التوافق الرجعي تميز تطور تقنية الكومبيوتر باتجاه بطيء لكنه اكيد. ومما لا شك فيه ان المستخدمين مرتاحون الى هذا البطء في التطور ليمكنهم اللحاق به دون الكثير من الخسائر.

فعلى سبيل المثال، اذا اخذنا منافذ التوسع نجد ان المقياس الاول الذي انتشر بشكل كبير هو مقياس الهندسة الصناعية (ISA) لباص نقل البيانات. وانقسم هذا المقياس الى نوعين هما منفذ ٨ بت ومنفذ ١٦ بت وتراوحت سرعته بين ٨ و١٢ ميغاهيرتز. وتم تزويد كل الاجهزة الشخصية بالمتوافقةا بمنافذ توسع من النوعين بحيث يمكن للمستخدم تركيب اي من بطاقات التوسع دون مشاكل. ولكن ما لبثت هذه التقنية ان تطورت لتصبح مقياس جمعية الفيديو الالكتروني (VESA) التي زادت من سرعة التقنية السابقة لتبلغ ٣٣ ميغاهيرتز. ثم جاء مقياس الهندسة الصناعية المحسن (EISA) ليحسن الاداء ويصبح بهندسة ٣٢ بت وسرعة ٣٣ ميغاهيرتز. واخيراً ظهر مقياس الاتصال بالمكونات الطرفية (PCI) الذي يستخدم حالياً لبطاقات تسريع العرض في بيئة ويندوز. والى جانب هذه التقنيات ادخلت اي.بي.ام. هندسة جديدة هي هندسة الميكرو قناة (MCI) زودت بها اجهزة بي.اس.٢ وهي غير متوافقة مع الهندسات السابقة.

ولكن بفضل التوافق الرجعي ظلت الاجهزة المزودة باحدث تقنيات نقل البيانات مثل (PCI) تحتوي منافذ (ISA) للحفاظ على استثمارات المستخدمين في بطاقات التوسع وذلك رغم بطء هذه المنافذ مقارنة بالمكونات الاخرى للجهاز.

هل ولى عهد التوافق الرجعي؟

ان مناسبة الكلام عن التوافق الرجعي الآن هو تجربة حصلت لي مع جهاز كومبيوتر جديد مزود بمعالج بنتيوم سرعة ٩٠ ميغاهيرتز واللوحة الاساسية المناسبة له.

فعندما حصلت على هذا الجهاز (بعد ان تأكدت من ان المعالج فيه ينتمي الى احدث دفعة خرجت من مصانع انتل -اي دفعة 4 كانون الثاني- ولا يحتوي على الخطأ الذي افتضح امره اخيراً) باشرت بالمهمة التي انفذها دائماً عندما انتقل من جهاز الى آخر احدث منه اي نقل بطاقات التوسع. وهذه العملية بسيطة جداً اذا اعتمدنا مبدأ التوافق الرجعي ويكفي على المستخدم التعرف على منافذ التوسع في الجهاز الجديد وتحديد انواعها.

وجاء الجهاز الجديد مزوداً باربعة منافذ (PCI) ومنفذي (Vesa) يعتمدان الباص المحلي السريع واربعة منافذ (ISA) ١٦ بت التقليدية. ومع هذه المواصفات كان من السهل علي نقل بطاقتي (ISA) طويلة (١٦ بت) الى المنافذ المناسبة. وكانت هاتان البطاقتان عبارة عن بطاقة عرض ٢٤ بت (اي ١٦ مليون لون باعلى دقة متاحة) من صنع راستراوبس وبطاقة اتصال باجهزة ماكنتوش عبر شبكة لوكال تووك من صنع داينا.

وعندما فتحت صندوق الجهاز كانت اول مفاجأة تنتظرني. فقد كان من المستحيل تركيب البطاقتين في منفذي (ISA) من الاربعة المتاحة. فالمنفذان الاولان يقعان تماماً مقابل المروحة الاضافية المركبة على المعالج لتبريده (بالمناسبة، يكفي النظر الى هذه المروحة للتأكد ان تقنية سيسك اصبحت تقريباً في نهاية الطريق اذ لا يعقل الاستمرار في زيادة سرعة المعالج وعدد المراوح لتبريده في الوقت نفسه) مما يحول دون تثبيت بطاقتي (ISA) كاملة الطول. اما المنفذ الاخير، فيقع مقابل مكبر الصوت مما يتسبب بالمشكلة نفسها. وبذلك يبقى منفذ واحد لاستقبال احدى البطاقتين.

وكان من الطبيعي ان افكر بابدال اللوحة الاساسية بلوحة تتميز بهندسة مختلفة حتى لو اقتضى الامر تغيير الجهاز ولكن اكتشفت ان معظم اللوحات الاساسية المزودة بهندسة (PCI) والداخلة في تركيب الاجهزة المتاحة تأتي من المصدر نفسه في الولايات المتحدة وتتشابه تماماً. فوجدت نفسي امام حلين: اما تبديل اللوحة بلوحة اخرى لا تدعم هندسة (PCI) وهذا خيار صعب لأن هذه الهندسة هي هندسة المستقبل، او الاكتفاء بتركيب بطاقة واحدة بانتظار ان تفرج.

فاعتمدت الحل الثاني وقررت تثبيت بطاقة العرض لأنها الاكثر ضرورة. وهنا ظهرت المفاجأة الثانية. فبعد تثبيت البطاقة وتشغيل الجهاز لم يظهر اي شيء على الشاشة. حتى شعار راستراوبس الذي يظهر عادة حال تشغيل الجهاز والذي يشير الى وجود هذه البطاقة غاب تماماً. وبعد التأكد من ان البطاقة صالحة (فقد عملت بشكل طبيعي حين اعدتها الى الجهاز القديم وهو من نوع ٤٨٦) تبين ان هذه البطاقة غير متوافقة مع لوحات بنتيوم الاساسية (اين ذهب التوافق الرجعي؟).

ولحسن الحظ قامت الشركة المصنعة للجهاز (شركة كاريرا البريطانية - واشهد لها بخدمة ما بعد البيع ممتازة للغاية) بتزويدي ببطاقة عرض لمدة شهر ريثما احل المشكلة مع راستراوبس. وبما ان هذه البطاقة تدعم هندسة (PCI) فقد ظل منفذ (ISA) الوحيد المتاح شاغراً لاستقبال بطاقة الشبكة.

وبالطبع ظهرت هنا المفاجأة الثالثة التي لولاها لما كان للحياة اي طعم. فبعد تثبيت البطاقة وتشغيل الجهاز تبين انه لا يطلق اي صوت لا للاحتجاج ولا للموافقة. وبعد التدقيق تبين ان بطاقة الشبكة تضغط على اسلاك مكبر الصوت بشكل ادى الى قطعها. فنزعت البطاقة من الجهاز ولجأت مرة اخرى الى الشركة لاصلاح الاسلاك. ووجدت نفسي مع بطاقتي توسع (سعراهما مرتفعان) عديمتي الجدوى.

ولكن الحظ غيّر اتجاهه بعض الشيء ووجدت لدى شركة داينا بطاقة لوكال تووك بالمواصفات نفسها غير انها اصغر حجماً من الاولى مما يتيح تثبيتها في اي من منافذ (ISA) ووافقت الشركة دون تردد باستبدال بطاقتي بالبطاقة الصغيرة.

ولم تنتهي القصة بعد اذ وجدت بعد ذلك ان برنامج فون نت بي.سي. من فارالون الذي يتحكم ببطاقة الشبكة غير متوافق مع ويندوز لمجموعات العمل مما حتم علي تركيب الاصدار ٣٫١ من هذا النظام لتشغيل الشبكة بانتظار ان تزودني فارالون باصدار احدث من البرنامج.

وها هي الاسباب التي دفعت بي الى التنظير على التوافق الرجعي بينما انتظر بصبر يقترب من حدود الفراغ رد راستراوبس على مشكلتي التي اذا لم يتم حلها، ستدفعني الى شراء بطاقة عرض جديدة.

لذلك اتساءل اخيراً هل هذه المشاكل تدل على ان عهد التوافق الرجعي قد ولى ام انها آنية ناتجة عن سوء هندسة طراز واحد من اللوحات الاساسية؟

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.