الصفحة الرئيسية > صحيفة الحياة > الغد المشرق كما يراه بيل غيتس
الغد المشرق كما يراه بيل غيتس
السبت ٩ آذار (مارس) ١٩٩٦, بقلم
سوف يكون الغد مشرقاً بفضل بيل غيتس وطريق المعلومات السريع.
اليكم بكتاب يعرّفكم على «الرجل الذي يملك مفاتيح مستقبلنا والذي ينتج الذكاء ويضعه في خدمة البشرية جمعاء» والذي هو بالمناسبة «الرجل الاكثر ثراء في العالم» (هذا ما جاء في الصفحة الاخيرة من الطبعة الفرنسية من كتاب «الطريق قدماً» لبيل غيتس).
اخيراً حصلنا على كتاب عن التكنولوجيا كان يمكن لإحدى شخصيات والت دزني المتحركة ان تكتبه. فبفضل بيل غيتس، ارق وانعم رجل في العالم، يمكنكم طرد السويداء التي تعتريكم من حين الى آخر. ويضمن الرجل لكم ان الكومبيوتر سوف يوفر السعادة للجميع من الفقير الى الثري. فكونوا مطمئنين للمستقبل وناموا ملء جفونكم. سوف يوقظكم بيل عندما يحين موعد الدفع.
تظهر الابتسامة مثالية على غلاف الكتاب، فلا نرى انياباً ظاهرة في وجه بيل غيتس الذي يدعونا الى مرافقته في ولوج «الطريق قدماً». ولكن اطمئنوا، فهذا المسافر المتطفل الواقف في منتصف الطريق ليس اي كان. انه من الود والنخوة لدرجة انه سيتكفل هو بقيادة السيارة. وستكتشفون خلال الطريق شخصاً مرحاً مع مس احادي حول طريق المعلومات السريع. غير انه سيرسم لكم اولاً جهاز كومبيوتر المستقبل. ولا يتعدى حجم هذا الجهاز محفظة الجيب وسوف يحل محل الهاتف وبطاقة الاعتماد والمفاتيح وحتى ضابط دقات القلب وميزان الحرارة. ويقترح عليكم بيل ان تدخلوا في هذا الجهاز صورة اولادكم وتتمتعون بالنظر اليهم خلال الاجتماعات المملة. اما هو فلا وقت لديه للملل لأنه يمارس «افضل مهنة في العالم».
ولا ينسى هذا المسافر الكبير جذوره، فيخصص لكم باباً كاملاً من الكتاب عن «آلة السكن» الخاصة به (لا، شلال الاضواء الساطعة في الافق ليس بحيرة واشنطن، انه منزل بيل). صحيح ان الثروة رفقت به ولكنه يشدد على هباته للاعمال الخيرية. لا شك ان هذا الرجل يحوي في صدره قلباً من الذهب وفي جيبه جهاز كومبيوتر بدلاً من المحفظة.
ويتبرع مستر غيتس والصحافيين الاثنين اللذين ساعداه في الكتابة بإفهامكم ان جهاز الكومبيوتر سوف يوطد روابط الاسرة اذ انه سيتعرف اوتوماتيكياً على الاحباب الذين لم يتلقوا رسالة منكم منذ مدة طويلة.
وبحذر شديد يتوصل غيتس الى تمرير بعض الاسرار الشخصية بين التأملات الفلسفية المتعلقة بالمنتجات التي ينشرها. فيكشف سر علاقته بإمرأة (اخيراً!) كانت تقيم في مدينة بعيدة، وكانا يختاران فيلم سينما يعرض في مدينتيهما في وقت واحد ويذهب كل منهما لمشاهدته ثم يتبادلان الانطباعات حوله بفضل الهاتف النقال.
والشيء بالشيء يذكر (اينك يا فرويد)، يعود بيل الى طريق المعلومات السريع ليؤكد انه بفضل هذا الطريق يمكنه مراقبة بائع الزهور خلال جمعه للباقة التي سيرسلها الى والدته (والدة غيتس بالطبع).
اما الرأسمالية الشرسة التي تمارسها الشركات الاميركية العابرة للقارات، فيغلفها بيل بقنطار من القطن الزهري اللون كلون قصص ميكي ماوس ويختصرها بإمكان شراء هدية للحبيب عبر طريق المعلومات السريع الذي يتيح تعدد الخيارات ويطلق بالتالي المجال للخيال كي يغلف هذه الهدية بنكتة او بإرسال بطاقة شخصية معها.
ولكن مهلاً، إذا كان مستقبلكم مهماً بالنسبة لكم فالاحرى بكم ان تستعيضوا عن هذا الكتاب بكتب اخرى مثل «غزاة العالم الافتراضي» او «حروب في الفضاء الافتراضي» التي تتميز بوفرة المعلومات المفيدة وبالبعد عن حب «الانا» الاميركية المزعجة (احياناً العن مهنتي التي تفرض علي صرف المال والوقت على منتجات سخيفة بهدف الكتابة عنها من اجل تجنيبكم صرف المال والوقت).
فبيل غيتس لم يبلغ سناً تسمح له بكتابة ذكرياته وليس هو في الضيقة المالية التي تفرض عليه العيش من حقوق التأليف، وبالمقابل فهو براغماتي الى درجة لا تتيح له تأليف كتب الخيال العلمي. واذا كان يتوجه الى الجمهور من خلال هذا الكتاب فلأن مستقبله هو يتأثر بشدة بالشيء الذي يملكه الجميع ولا يملكه احد في وقت واحد الا وهو شبكة انترنت.
بالطبع لا يمكن وصف هذه الشبكة العشوائية بطريق المعلومات السريع المثالي، لهذا ينبهنا بيل بأن الامور لن تستمر كما هي ويجب المباشرة بوضع المقاييس والموانع. اما مسائل ثقافة انترنت والمساواة بين الداخلين عليه فيعتبرها سخيفة ومن مخلفات الماضي.
فقد فهمنا انه اذا اراد اقناع المستثمرين بولوج طريق المعلومات السريع، يتحتم على بيل غيتس النجاح في ركوبه.
اما البسمة فلم تختف عن غلاف الكتاب وتذكرنا بعبارة ناشر النسخة الفرنسية «هذا الرجل يملك مفاتيح مستقبلنا».
المؤلفات المذكورة:
زLes Conquérants du Cybermonde, Dominique Nora, Calmann-Lévy
Guerres Dans le Cyberespace: Services Secrets et Internet, Jean Guisnel, La Découverte.
