الصفحة الرئيسية > صحيفة الحياة > انترنت والكومبيوتر وتقنية المعلومات ١٩٩٧

خواطر وذكريات عن:

انترنت والكومبيوتر وتقنية المعلومات ١٩٩٧

السبت ٢٧ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٩٧, بقلم جورج قندلفت

حورج قندلفت جلس في نهاية ١٩٩٧ في كرسي مريح امام عدد محترم من فتاجين القهوى ونظر الى الصراعات التي بدأت تتحول منذ الآن الى ذكريات

صناعة الكومبيوتر لا تتقدم، انها تعدو. وتعدو بسرعة لدرجة انه يصبح من الصعب احياناً اللحاق بها. وفي هذا الغليان المستمر تتقارع التقنيات وتتكون العشائر وتتعارك وتتباعد. واعداء اليوم يصبحون حلفاء المستقبل والعكس صحيح كما تحالف اليوم اعداء الماضي.

ومثل كل الصناعات تتكون صناعة الكومبيوتر من نزاعات مستمرة. فمن لا يتذكر صراعات الماضي: ماكنتوش ضد الكومبيوتر الشخصي واو.اس./٢ ضد ويندوز او القرص المرن ضد قرص الليزر. وبقي اليوم ثلاثة منتصرين هم الكومبيوتر الشخصي وويندوز وقرص الليزر.

ولم يشذ العام المنصرم عن قاعدة هذه الصراعات وشهد تهديد منتصري الامس من قبل وافدين جدد لا تقل طموحاتهم عن انجازات اللاعبين القدامى.

واليوم، في نهاية سنة ١٩٩٧، نجلس في كرسي مريح (انا على الاقل) امام عدد محترم من فناجين القهوة وننظر الى الصراعات التي بدأت منذ الآن تصبح ذكريات ١٩٩٧ واحداث بداية ١٩٩٨.

ولا مجال هنا لاستعراض كل المعارك وسنقتصر على الصولات والجولات التي لها اكبر اثر على مستقبل صناعة الكومبيوتر مثل مسلسل انتل ضد سايريكس وايه.ام.دي. وويندوز ضد كل الآخرين (جافا، كومبيوتر الشبكة، ماكنتوش، يونيكس وحتى ضد نفسه).

حرب المعالجات

الكل يعلم انه منذ سنوات عدة لم تعد انتل اللاعب الوحيد في سوق معالجات الكومبيوتر الشخصي التي دخل عليها لاعبون مثل ايه.ام.دي. وسايريكس. واعتدنا خلال هذه السنوات على اكتفاء الشركتين الاخيرتين بحصص صغيرة من هذه السوق. الا ان المفاجأة الكبيرة هذا العام جاءت من سايريكس التي تخطت انتل في سوق الاجهزة الموجهة الى الجمهور العريض اي تلك التي لا يتجاوز سعرها ١٠٠٠ دولار. ففي شهر آب الماضي سجلت مبيعات الاجهزة المزودة بمعالج من سايريكس ٦٥ ٪ من مجمل الاجهزةالتي يبلغ سعرها اقل من ١٠٠٠ دولار.

ولم تنتظر انتل لترد على هذا التحدي. فقد اعلنت انها سوف تطرح خلال العام القادم معالج بنتيوم ٢ «مختصر». فقد قررت الشركة التضحية بأداء المعالج العامل بسرعة ٢٦٦ ميغاهيرتز بنزع الذاكرة المخبأة (cache) التي تزوده. والهدف من ذلك بالطبع ادخال معالجات انتل في الاجهزة التي يقل سعرها عن ١٠٠٠ دولار.

والجديد هذا العام هو دخول انتل في عالم الشك. فيبدو ان الزمن الذي كانت الشركة تسيطر فيه دون منازع على سوق الكومبيوتر قد ولى. وابدت الشركة منذ ٢٠ سنة ايماناً لا يتزعزع في القانون الذي يحمل اسم احد مؤسسيها غوردون مور (يتضاعف اداء المعالجات كل ١٨ شهراً) واعتمدت على هذا القانون لرسم اتجاهات صناعة الكومبيوتر. الا انها فوجئت بمصنع معالجات صغير مجهول لدى قطاعات كبيرة من الجمهور جاء بسياسة جديدة كادت تحطم قانون مور.

ففي مطلع السنة الحالية طرحت سايريكس معالج ميديا جي.اكس. الذي يمكنه التعامل مع الوسائط التوضيحية المتعددة دون الحاجة الى طرفيات مثل بطاقة الصوت او بطاقة العرض ثم الحقته بمعالج ٦ x ٨٦. والسر في هذه المعالجات هو انها تحتوي فقط ما يكفي من القوة لتشغيل الانطمة الجديدة وبالتالي تساهم مباشرة في تخفيض اسعار هذه الاجهزة. وابتكرت بذلك اجهزة الكومبيوتر التي يقل سعرها عن ١٠٠٠ دولار.

وكانت النتيجة ان مبيعات هذه الاجهزة تزايدت بشكل مدهش. ففي الولايات المتحدة وحدها وصل عدد الاجهزة المزودة بمعالجات سايريكس التي تم بيعها الى ٢٫٩ مليون جهاز اي ضعف ما سجلته هذه المبيعات في السنة السابقة. وظهر هذا الرقم في نهاية شهر تشرين الاول اي في الوقت الذي اعلنت فيه انتل عن نتائج فصلها الثالث الذي سجل عائدات بلغت ٦٫٢ بليون دولار اي بارتفاع ٢٠ ٪ مقارنة بالسنة الماضية. والحال ان هيمة عملاق المعالجات لا تزال قوية الا ان بروز سايريكس ادى الى زعزعة ثقة الاسواق المالية في انتل مما ادى الى هبوط ملحوظ في اسعار اسهمها للمرة الاولى في تاريخها.

ويبدو ان هذه الظاهرة قد تدخل تغييرات جذرية في سوق الكومبيوتر. فالاعتقاد بأن المستهلكين يطلبون دائماً اجهزة اقوى بأسعار ثابتة بدأ يترنح وتوقع الكثير من المحللين ان سوق النوعية ولى واننا دخلنا عصر سوق الكمية، اي بمعنى آخر بدأ جهاز الكومبيوتر يشبه في عادات شرائه اجهزة الالكترونيات الاستهلاكية مثل التلفزيون والراديو والغسالة. وظهر ذلك في اسعار اجهزة الكومبيوتر. فقد عودنا مصنعو هذه الاجهزة مثل كومباك وهيولت-باكرد وآي.بي.ام. على خفض اسعارهم مرة او اثنتين في السنة الا انهم بدأوا حديثاً بإدخال تخفيضات جديدة كل شهرين او ثلاثة. ومع ان مبيعات الكومبيوتر لا تزال تتوزع بنسبة ٨٠ ٪ للشركات و٢٠ ٪ للافراد الا ان الكثيرين وعلى رأسهم سايريكس يتوقعون ان تتزايد نسبة الجمهور في المبيعات سريعاً لتعادل نسبة المبيعات للشركات اي ٥٠ ٪ لكل منهما بفترة لا تتعدى الثلاث سنوات مما سوف يجبر المصنعين الذي يبيعون اساساً الى الشركات الى إعادة النظر في سياساتهم. ويبدو ان شركة كومباك فهمت هذا الاتجاه وسارعت الى تزويد عدد من اجهزتها بمعالجات سايريكس ووصلت حصة هذه الاجهزة في مبيعات كومباك للافراد الى ٤٠ ٪ وهناك عدد من المصنعين الكبار الذين ابدوا رغبتهم في تقليد كومباك مما وضع انتل في موقع اجبرها على تغيير سياساتها والبدء بالاهتمام بالاسواق الاستهلاكية.

ولكن السؤال الذي يتبادر الى الذهن هو هل ان هذه الظاهرة باقية في المستقبل؟ وهل ان الاسعار المنخفضة ناتجة فقط عن انخفاض سعر المعالج ام ان المصنعين يخفضون من هوامش ربحهم بقوة لتوسيع حصصهم؟ وبالتالي فهل الالف دولار هي سعر اجهزة المستقبل ام انها خدعة كبيرة سوف تخيب امل المستهلكين الذين سوف يطالبون بعدها بأجهزة اقوى وامكانات توسع اكبر؟

حرب الانظمة

شهدت هذه السنة نهاية الصراع الطويل بين ماكنتوش وويندوز بفوز الثاني بالضربة القاضية بعد اتفاق مايكروسوفت وابل.

والمعركة بين ماكنتوش والكومبيوتر الشخصي قسمت اجيال عديدة من المستخدمين في اقسام الكومبيوتر في الشركات ودفعت اجيال اخرى من الافراد الى التردد كثيراً قبل شراء اول جهاز كومبيوتر. ولكن اليوم لم تعد هذه المعركة الا مرحلة من تاريخ الكومبيوتر وذلك لسببين اساسيين.

اولاً ظهرت نتيجة الصراع التجارية واضحة: فقد تغلب الكومبيوتر الشخصي وويندوز بالضربة القاضية. ورغم كل ما قامت به ابل هذه السنة من ابعاد رئيسها جيلبرت اميليو وتصفية سوق الاجهزة المتوافقة، تقلصت حصة ماكنتوش من حوالي ١٣ ٪ في الماضي الى رقم يدور حول ٦ و٨ ٪ مهما تنوعت الدراسات التي تنشره (٧ ٪ حسب ستيف جوبز) بينما تحتل الكومبيوترات الشخصية حوالي ٩٠ ٪ من المبيعات وذلك رغم اجهزة جي. ٣ (ذات الاداء المرتفع والسعر المنخفض) التي اطلقتها ابل في تشرين الثاني ورغم سياسة البيع المباشر عبر نسيج العنكبوت التي انتهجتها والتي، حسب مصادر من ابل، سجلت طلبيات قدرها ٥٠٠ الف دولار في اليوم الاول ولا شيء منذ ذلك الحين.

ثانياً لا يمكن ان يحصل صراع دون متصارعين. ففي شهر آب الماضي، عقد الصلح بين اهم هؤلاء المتصارعين، مايكروسوفت وابل اللتان اعلنتا عن اتفاق مالي وتكنولوجي يجعل منهما شريكين لفترة لا تقل عن الخمس سنوات.

ولا يشكل ربط برنامج تصفح العنكبوت الذي تطوره مايكروسوفت مع نظام ابل الا جزءاً صغيراً من هذا الاتفاق. فقد اتفقت الشركتان على منح الواحدة للاخرى رخص تتعلق بتقنية كل منهما مما يفتح الباب على مجال واسع من الافتراضات والتوقعات. فمثلاً، هل سوف تدخل وظائف من نظام ماكنتوش في ويندوز ام العكس؟ في جميع الاحوال سوف تحتل مايكروسوفت مركز الصدارة في نظام ماكنتوش ليس فقط بفضل برنامج التصفح الذي سيشحن مع النظام بل كذلك مع رزمة اوفيس التي تعهدت شركة بيل غيتس بتحديثها بشكل متزامن مع نسخة ويندوز.

ويذهب البعض الى ابعد من ذلك ويتوقع طرح نسخة من ويندوز ان.تي. لماكنتوش.

ولكن يبدو ان حرب الانظمة لن تنتهي لأن ابل تطور نظام تشغيل جديد هو رابسودي الذي استمدت اهم عناصره من نظام نيكست (الشركة التي اشترتها ابل هذا العام) والذي، من المتوقع ان يدعم معالجات انتل. فمن الواضح ان هذا النظام سوف يشكل منافساً جديداً لويندوز.

والمنافسون لويندوز كثر ليس اقلهم لغة جافا. ومن المفارقة ان نقول ان لغة برمجة تنافس نظام تشغيل الا ان طموح جافا لا يقتصر على تطوير التطبيقات بل يتعداه الى تطوير انظمة تشغيل جديدة وتطبيقات تعمل بشكل مستقل عن انظمة التشغيل.

ولكن هل يوجد شيء يمكن ان يتغلب على ويندوز؟ ولأول وهلة يكون الجواب بالنفي. فويندوز يشغل ٩٠ ٪ من اجهزة الكومبيوتر الشخصية وفي سوق الكومبيوتر قد تكون هذه الاجهزة الوحيدة التي تباع حالياً. وهناك حوالي ١٠٠ مليون مستخدم لويندوز في كل اصداراته وآلاف التطبيقات التي تدعمه ومجموعة كبيرة من الاجهزة المزودة به من كومبيوترات الجيب الى اجهزة الخدمة.

الا انه منذ سنتين رفعت شركة صن راية جافا واكدت ان هذه اللغة سوف تتغلب على ويندوز. وسريعاً لاقت جافا دعماً كبيراً من آي.بي.ام. ونتسكيب. ورغم اهمية هاتين الشركتين تحتاج جافا الى كل دعم ممكن لأنها تطمح الى التغلغل في كل شيء بدءاً بأجهزة الكومبيوتر والشبكات وصولاً الى الالكترونيات المحمولة او المنقولة مثل ساعة اليد والسيارة. ووضعت صن لهذه اللغة لدى اطلاقها شعار «اكتب مرة وشغّل في اي مكان» (write once, run anywhere) مما يعني ان التطبيقات المطورة بجافا سوف تعمل دون اي تعديل في اجهزة ويدوز او ماكنتوش او يونيكس او اي نوع من كومبيوترات الشبكة.

ويبدو ان هذه الفكرة اعجبت الكثيرين لا سيما وان اللغة اظهرت بعض الميزات الواعدة بإنجاح مشروعها. ولا يعدم مؤيدوها اية حجة لنشرها منها مثلاً انه اذا لم تلق جافا التأييد الكافي سوف تهيمن مايكروسوفت نهائياً على كل شيء. وجذبت جافا العديد من اللاعبين في صناعة الكومبيوتر مثل بورلاندو واوراكل وكورل ونوفل والعشرات من الشركات الصغيرة التي اسس بعضها لهذا الهدف وحسب. وبدأت المنتجات الداعمة لجافا في الظهور منذ العام الماضي وتنوعت خلال السنة الحالية وشملت التطبيقات والاجهزة الطرفية والشرائح الالكترونية. ولا يزال معظم هذه المنتجات قيد التطوير رغم بعض التعثر (عدول كورل عن تطوير رزمة اوفيس لجافا مثلاً) والحماس على حاله لا سيما وان بعض الشركات العملاقة مثل شركة فيديرال اكسبرس للبريد السريع قررت اعتماد اللغة اضافة الى ان منظمة المقاييس العالمية وافقت مؤخراً على اعتماد جافا كمقياس عالمي.

ولكن اين مايكروسوفت من كل ذلك؟ رغم ابداء الشركة استخفافها بمزاعم جافا قررت تفضيل السلامة واعتماد هذه اللغة اذ انها لا تنوي تجاهل هذا التهديد بل محاولة هضمه. وتعترف مايكروسوفت ان جافا تتميز ببعض جوانبها على لغة سي. ++ المستخدمة في معظم تطبيقات ويندوز وتذكر انها توفر عدة لتطوير تطبيقات جافا وان برنامج التصفح انترنت اكسبلورر ٤ يحتوي على الجهاز الافتراضي لتشغيل اللغة كما ان ويندوز ٩٨ سوف يشمل هذا الجهاز.

اذاً اين المشكلة؟ في الحقيقة عملت مايكروسوفت على دفع المطورين الى كتابة تطبيقات جافا مخصصة لويندوز. ففي عدة تطوير جافا التي تنشرها حذفت مايكروسوفت بعض الوظائف واضافت بعضها الآخر الذي لا يفهمه الا نظام ويندوز. ويعني ذلك انه اذا طورنا تطبيق ما بهذه العدة لا يعمل هذا التطبيق الا من خلال ويندوز.

وبالطبع قامت قيامة صن وحلفائها لأن هذه الخطوة تلغي توافقية جافا الشاملة وتنحر حلم جميل راود مطوري البرامج الذين احسوا بالحرية مع جافا. ورفعت صن دعوى على مايكروسوفت في ايلول الماضي ولا تزال هذه الدعوى قائمة. واطلقت صن خلال الشهر الحالي تطبيق جديد اسمه اكتيفيتر (Activator) يعمل على شكل ملحق لبرامج تصفح العنكبوت ويؤمن التوافقية الكاملة مع الاصدار ١٫١ من عدة تطوير جافا التي تنشرها الا ان مايكروسوفت سخرت من هذه الخطوة بحجة ان جهاز جافا الافتراضي الذي ادخلته هي سريع جداً ولا احد يرغب في تحميل ملحق يؤدي الى ابطاء تشغيل تطبيقات جافا في بيئة ويندوز.

ولا تزال نتيجة هذا الصراع غير واضحة ولا شك انها ستظهر خلال السنة القادمة ان على شكل تعايش بين ويندوز وجافا او انتصار احدهما مع ان الكفة راجحة حالياً لمصلحة ويندوز لا سيما وان تاريح الكومبيوتر علمنا ان الكثير من التحالفات انتهت الى غير رجعة.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.