الصفحة الرئيسية > صحيفة الحياة > مصير المعرفة في سلة مهملات المستقبل

مصير المعرفة في سلة مهملات المستقبل

السبت ١٧ نيسان (أبريل) ١٩٩٩, بقلم جورج قندلفت

كان الذين يتعاملون مع تخزين البيانات الرقمية يعلمون ان يوماً ما ستصيب الاعطال وسائط تخزين هذه البيانات متسببة بفقدانها. الا ان آخر تحذير جاء من وكالة الفضاء الاميركية ناسا عندما حاول الباحثون فيها الرجوع الى البيانات التي ارسلتها رحلة فايكينغ من المريخ سنة ١٩٧٦. فقد كانت الاشرطة المغنطيسية المخزنة عليها هذه البيانات في طور متقدم من الاضمحلال بحيث ضاع حوالي ٢٠ ٪ من البيانات دون امل في استعادته.

فإذا حدث ذلك لوكالة الفضاء الاميركية يمكننا تصور كمية البيانات التي تختفي حالياً من وسائط التخزين المصفوفة بترتيب على رفوف اقسام الارشيف الموزعة في كل انحاء العالم.

وحذر باحثو قسم معالجة بيانات الارض والفضاء في الوكالة في تقريرهم الذي صدر اوائل شباط الماضي من ظهور ازمة حادة تتعلق بتأمين دوامية البيانات العلمية والطبية والادارية وغيرها.

واول حل يمكن التفكير فيه لهذه المشكلة هو اعادة نسخ دورية للبيانات على وسائط جديدة لإطالة عمرها. ولكن حسب التقرير، نكاد نصل الى الحد الذي تتعدى فيه فترة اعادة النسخ العمر الحقيقي لوسيط التخزين الاساسي بسبب كمية البيانات المخزنة. ويعني ذلك اننا اذا اردنا نسخ البيانات من وسيط الى آخر لن ننتهي من العملية قبل تلف الوسيط الاول مما يؤدي دون محالة الى فقدان نسبة من هذه البيانات.

وتأتي المشكلة من انه خلال السنوات العشر الاخيرة زادت امكانات تخزين الاشرطة المغنطيسية مائة ضعفاً (من ٢٠٠ ميغابايت الى ٢٠ غيغابايت) بينما لم ترتفع سرعة نقل البيانات الا اربعة اضعاف (من ٣ الى ١٢ ميغابايت في الثانية). وعلى سبيل المثال، بدأت وكالة الفضاء الاميركية بعملية نقل ٣٥٠٠٠ شريط مغنطيسي يخزن ٢٨ تيرابايت من البياننات (تيرابايت واحد يساوي ١٠٢٤ غيغابايت) الى وسيط جديد يبلغ عمره المتوقع عشر سنوات. وبما ان هذه العملية ستستغرق حوالي اربع سنوات لن تكاد تنتهي حتى يتحتم اعادة تنفيذها. وذلك دون الاخذ في الحسبان البيانات الجديدة الاضافية التي ستتكدس خلال هذه الفترة بوتيرة ١٫٥ تيرابايت في الشهر مما يعني ان هناك ٧٠ تيرابايت اضافية يتحتم تأمين ديمومتها. واذا لم تحصل معجزة خلال هذه الفترة نكون قد تخطينا نقطة اللاعودة.

بالطبع يشكل مثال وكالة الفضاء الاميركية حالة قسوى من جراء حجم البيانات الهائل الذي تتعامل به، الا انه يتنبأ جيداً بالخطر المحدق بكل المؤسسات التي تحتفظ بأرشيف الكتروني مثل الادارات الحكومية والمستشفيات والمكتبات ومراكز الابحاث وغيرها. ولا شك ان كل هذه المؤسسات سوف تواجه هذه المشكلة يوماً ما قد يكون قريباً. وعلى سبيل المثال مرة اخرى، من المتوقع انه منذ العام ٢٠٠٠ ستضطر اكبر المؤسسات العالمية الى تخزين حجم بيانات يصل الى البيتابايت (اي مليون غيغابايت). واذا عدنا الى تقرير وكالة الفضاء الاميركية يتضح ان نقل بيتابايت واحد من البيانات الى وسيط جديد قد يستغرق عشر سنوات بينما لا يتعدى العمر المتوقع لهذا الوسيط عشر سنوات مما يؤدي الى فقدان اكيد لبعض هذه البيانات. يظهر من ذلك ان ذاكرة مستقبل مجتمع المعلومات الذي نتغنى به دائماً قد تكون قصيرة للغاية. ويبدو اننا نترك آثار حضارتنا الرقمية للاجيال القادمة تضمحل ببطء.

سباق النسخ الدائم

ادت ثورة المعلوماتية، في الخمسين سنة الماضية الى زيادة قيمة المعلومات لدرجة اننا وصلنا الى زمن يمكن فيه لاي كان الحصول على جهاز كومبيوتر مجاني مقابل حفنة من المعلومات مثل اسمه ومهنته ومدخوله واهتماماته. ولم يدخر الذين ادركوا قيمة المعلومات جهداً في تحصيلها وتخزينها والوصول اليها وتحليلها. الا ان هذا السباق المحموم لجمع المعلومات والخاضع لقوانين (او لادغال) السوق والربح فقط الغى او على الاقل اجّل مسألة حفظ هذه المعلومات لا سيما وان الشعور العام اليوم هو ان البيانات الرقمية ازلية لأنه يمكن نسخها مرات لا متناهية دون اي فقدان في محتواها. ولكننا نعلم الآن ان هذه الفكرة خاطئة لا سيما وان عدداً من اخصائي التوثيق الذين يعتبرون اصحاب العلاقة في هذه الحالة، ادركوا باكراً الخطر الذي يهددهم. ففي سنة ١٩٩٥ نشر مقال لاحد اخصائيي الارشيف في مجلة ساينتيفيك اميركان يتندر فيه على البيانات الرقمية التي تعيش الى آخر الحياة او خمس سنوات حسب ايهما يأتي اولاً.

وفي نظر اخصائيي الارشيف، يبدو عمر وسائط التخزين الرقمية قصيراً جداً. فقد اظهرت اختبارات مختبر الوسائط الوطني الاميركي ان افضل اشرطة التخزين المغنطيسية (وهي مقياس تخزين قواعد البيانات الكبيرة) لا تعمّر اكثر من عشر سنوات بينما تصبح جودة اقراص الليزر العادية غير مضمونة بعد خمس سنوات. وفي احسن الاحوال يمكن لقرص ليزر من نوعية ممتازة محفوظ في حرارة مناخية عادية ان يحتفظ ببياناته حوالي خمسين سنة. ويجب مقارنة هذه الفترة بالمائة سنة التي يمكن لشريط مايكروفيلم عيشها او بآلاف السنين التي عبرها ورق البردي. اضافة الى ذلك، وعلى عكس هذا الوسيط المتصل (analog)، فإن الوسيط الرقمي ينحل بشكل خطير اذ ان تلف جزء صغير من البيانات المخزنة عليه يمكنه جعل كامل هذه البيانات غير صالح.

وكما ذكرنا سابقاً يبقى الحل الوحيد المعروف اليوم لحفظ البيانات هو اعادة نسخها دورياً على وسائط جديدة. ولكن هذه العملية معقدة ومكلفة ولا يتم تنفيذها الا على البيانات الاكثر اهمية (وهذا ايضاً تقييم شخصي) والاكثر استخداماً. اما البيانات الاخرى فلا يظهر ضياعها الا تدريجياً حسب طلبات مراجعتها من قبل الباحثين او المؤرخين او المواطنين العاديين. وفي عالم الارشفة تشبّه هذه المشكلة بسهولة بخطأ العام ٢٠٠٠ الا انها، وعلى عكس هذا الخطأ لا ترتبط بتاريخ معين لمحاولة حلها.

هل تعمّر اقراص روزيتا من نورسام تكنولوجيز اكثر من حجر الرشيد الذي اخذت اسمه؟

اما في ما يتعلق بالحلول المقترحة حالياً فهناك العديد من المحاولات. فقد اخترع مختبر لوس الاموس (الذي اشتهر بتصنيع اول قنبلة ذرية) طريقة حفر جديدة تتيح استخدام قرص معدني بحجم قرص الليزر ولكنه يستطيع العيش آلاف عدة من السنين لتخزين اما ١٦٥ غيغابايت من البيانات الرقمية او ١٫٥ مليون صفحة من النصوص ممسوحة بدقة ٣٠٠ نقطة في البوصة. وتطرح شركة نورسام تيكنولوجيز هذا القرص تحت اسم روزيتا نسبة الى حجر الرشيد (Rosetta stone) الذي استخدم كوسيط كتابة في مصر القديمة وحفظها الى ايامنا هذه.

يمكن تحميل نسخة مشاركة من برنامج بيبر ديسك من الموقع مباشرة.

واما آخر ما ظهر من الحلول، وقد يكون الاكثر ابداعاً (او الاكثر جنوناً)، فيأتي من شركة كوبلستون سوفتوير. ويتكفل برنامجها بيبر ديسك بتحويل الملفات الرقمية الى مجموعات من الارقام الثنائية يتم طباعتها على الورق (العادي!) مما يعطيها عمراً اطول من الوسائط الرقمية. ولاسترجاع هذه الملفات يكفي تمرير الورقة في جهاز مسح ضوئي عادي قبل نقلها الى محوّل البرنامج.

وكعرض خاص للذين تابعوا هذا المقال حتى نهايته، نقدم مادته بتنسيق نص ويندوز في الصورة رقم ٣. واذا سمح نسيج ورق «الحياة» بمسحه بوضوح يمكن استعادته بفضل بيبر ديسك.

نسخة من المقال بتنسيق ثنائي على الورق تقدمة بيبر ديسك.

ملاحظة لها علاقة بما سبق: اكتب عادة مقالاتي باستخدام ماكنتوش. وبما ان برنامج بيبر ديسك لا يدعم الا ويندوز، كان علي تحويله الى نص ويندوز. واعرف مسبقاً ان هناك مرشح يقرأ نص ماكنتوش العربي في برنامج وورد وقد استخدمته مرات عدة الا انني حين حاولت استخدامه هذه المرة من داخل وورد ٩٧ العربي، لم اجده. وبحثت عنه في كل انحاء الجهاز ولم اقف له على اثر. ففتحت قرص الليزر الذي يحتوي رزمة اوفيس ٩٧ ولم اجده. وحسبت انني اصبت بمس وان استخدامي القديم له كان حلماً الى ان نبهني احد الزملاء في «الحياة» ان هذا المرشح يأتي مع اوفيس ٩٥ فقط ويحتفظ به اوفيس ٩٧ لدى تثبيته. وبما انني ازلت كل البرامج من جهازي قبل تثبيت ويندوز ٩٨ فقد ذهب هذا المرشح معها ولا اذكر الآن لمن اعطيت اوفيس ٩٥. ومع لعني مايكروسوفت لازالة المرشح الاكثر نفعاً في رزمتها، اناشد الذين يمكنهم اسماع صوتهم ان يطالبوها باعادته.

على فكرة، نقلت مادة المقال الى ويندوز بحفظها بتنسيق HTML لويندوز من داخل الاصدار ٧٫١٫٢ من الناشر الصحفي.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.