الصفحة الرئيسية > مجلة أبل في العالم العربي > المجلد الثالث - العدد السادس والعشرين - تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٩٣ > بيل غيتس لغز التقني البليونير
بيل غيتس لغز التقني البليونير
بقلم
من الصعب تصور صناعة الكمبيوتر الشخصي دون «مايكروسوفت». فعدد أجهزة الكمبيوتر التي تعمل دون أي منتج من «مايكروسوفت» بداخلها قليل جداً، ويأتي ذلك من إستراتيجية مدروسة وليس من القضاء والقدر. فيمكن اختصار هدف بيل غيتس، مؤسس «مايكروسوفت»، بعبارة واحدة هي: جهاز كمبيوتر على كل مكتب وبرنامج من «مايكروسوفت» في كل جهاز.
ويليام هنري غيتس الثالث (William Henry Gates III) الملقب ببيل هو اليوم موضوع أساسي في أحاديث العامة والخاصة وذلك في حقول المال وصناعة الكمبيوتر. فمن المعروف أن الناس يهتمون بقصص رجال البلايين، ويهتمون ببيل غيتس بشكل خاص لأنه ليس فقط بليونيراً بل تقني بليونير.
ومن الصعب الكلام عن بيل غيتس لأنه ثري أو لأن «مايكروسوفت» قوية فقط. فالحسد والرهبة اللتان يولدهما أشخاص من هذا النوع أو شركات من هذا المستوى يشوهان الكلام بتطعيمه بكثير من المواقف العاطفية.
ولإعطاء فكرة عن ثراء غيتس، يمكن ذكر أحد الصحافيين الأميركيين الذي قال: «إذا كنت تربح خمسة ملايين دولار في السنة (وقليل من الناس يمكنه ذلك)، ووضعت هذا المبلغ تحت فراشك سنة بعد سنة، يلزمك ١٤٠٠ سنة لتبلغ ثراء بيل غيتس ... وإذا عمرت حتى السبعين، يجب عليك ربح ١٠٠ مليون دولار في السنة من ولادتك حتى مماتك لتجمع ثروة بيل غيتس». ويعني ذلك باختصار أن سبعة بلايين دولار تشكل مبلغاً كبيراً من المال، ويعتبر بيل غيتس الآن أغنى وأنجح رجل في أميركا. ويصل الأمر بالبعض ليتنبأ أنه سيصبح يوماً رئيساً للولايات المتحدة.
وتقول الأسطورة أنه في مكان ما (والأفضل أن يكون هذا المكان مرآباً كما جرت العادة)، قام بعض الشبان بتطوير نسخة من لغة باسيك (BASIC) تعمل على الكمبيوتر الشخصي. وكانت هذه بداية القصة.
ولكن الحقيقة تختلف عن ذلك بعض الشيء. فلدى بلوغ بيل غيتس سن السادسة عشر كان قد أسس شركته الأولى التي أطلق عليها إسم «تراف-أو-داتا» (Traf-O-Data) وكانت تنشط في مجال الكمبيوتر. ولم يحدث صدفة أن طور غيتس نسخة من باسيك تعمل على الكمبيوتر الشخصي، بل كان ينوي القيام بذلك بهدف ربح المال. ولا يعني هذا أنه لم يكن مهتماً بالكمبيوتر، فكان شديد الاهتمام بالبرمجة، وكان ضليعاً في الرياضيات مع أنه كان من الممكن لذكائه الفطري أن يجعله ضليعاً في أي علم. ولكن علم الرياضيات مهم هنا لأنه يشارك علم البرمجة أساليب التفكير نفسها. وكانت المدرسة التي تردد عليها غيتس تتيح للتلاميذ الاتصال بجهاز «بي.دي.بي.-١٠» (PDP-10) وهو ميني كمبيوتر استخدمت هندسته لتعليم جيل كامل من المبرمجين بلغة أسمبلي (وهي اللغة المنخفضة المستوى للكمبيوتر).
وفي قاعة الكمبيوتر في تلك المدرسة، التقى غيتس ببول ألن الذي سيصبح في ما بعد أحد مؤسسي «مايكروسوفت». وأخذ الشابان يتكلمان عن الكمبيوتر وتعاونا في البرمجة. ولكن اهتمام غيتس بهذا النشاط كان ناتج أساساً من فكرة جني الأرباح. وقد يكون هذا التفكير غير معتاد لدى شاب صغير السن مثل غيتس ولكنه كان يرى أن هناك صلة طبيعية بين الكمبيوتر وجني المال. وكان يعتبر أن نجاح أي إنجاز يعتمد على مقدار المال الذي سيدفعه الناس للحصول عليه.
وفي تلك الفترة كلفت المدرسة غيتس وألن مهمة العثور على أخطاء نظام تشغيل الجهاز الطرفي المتصل بـ«بي.دي.بي.-١٠» وإزالتها وإدخال جدول مواعيد المدرسة في الكمبيوتر، كما طور الشابان نظام معالجة بيانات لصالح السلطات المحلية يتكفل بمعالجة بيانات سير العربات في الولاية. ومن هنا جاءت تسمية أول شركة قاما بتأسيسها (Traf-O-Data).
وبما أن غيتس وألن كانا قد فكرا بمستقبل الكمبيوتر وبمشروع تأسيس شركة تطوير برامج، كانا مستعدين نفسياً لظهور أول كمبيوتر شخصي هو جهاز «ألتير» (Altair - أخذ الإسم من مسلسل «ستار تريك» الذي كان جديداً في ذلك الوقت) المزود ببروسسور «إنتل ٨٨٠٠». فعندما ظهر هذا الجهاز لأول مرة على غلاف مجلة «بوبولار إلكترونيكس» في كانون الثاني (يناير) ١٩٧٥، أيقن غيتس وألن أنهما ينظران إلى مستقبل الكمبيوتر.
واتصل غيتس بشركة «إم.آي.تي.إس.» (MITS) التي صنعت جهاز «ألتير» وقال لها أنه طور نسخة من لغة باسيك تدعم بروسسور ٨٨٠٠ وأنه مستعد لعقد صفقة.
ومن أجل تنفيذ هذا المشروع كان على بول ألن أن يكتب برنامجاً يمثل دور بروسسور ٨٨٠٠ داخل ميني كمبيوتر «بي.دي.بي.-١٠» ويتعامل مع المستخدم على هذا الأساس، واستخدم لذلك كتاب آدم أوسبورن الذي يعرض كامل مجموعة أوامر هذا البروسسور. أما بيل غيتس فكان عليه كتابة مترجم باسيك، ولكنه كان قد قام بهذا العمل لجهاز «بي.دي.بي.-١٠» مما فرغه للتركيز على أصعب مرحلة وهي حشر كامل لغة باسيك بمساحة ٤ كيلوبايت وترك مساحة كافية لتشغيل التطبيقات الناتجة عنها، إذ أن بروسسور ٨٨٠٠ لا يمكنه عنونة أكثر من ٦٤ كيلوبايت من الذاكرة. وكانت هذه المهمة من الصعوبة بمكان أن الكثيرين اعتقدوا أنها مستحيلة. ويمكن القول أن البراعة التي تم تنفيذ المهمة بها فتحت الباب أمام نوع جديد من البرمجة لم يعد موجوداً اليوم وهو البرمجة الحرَفية التي تعتمد على موارد ضئيلة.
سلم بول ألن شركة «إم.آي.تي.إس.» مترجم «باسيك» على شكل شريط من الورق. ولم يكن قد تم اختبار هذا المترجم على بروسسور ٨٨٠٠ حقيقي ولا بالتالي على جهاز «ألتير». وأيقن ألن وهو في الطائرة في طريقه إلى تسليم المترجم أنه وغيتس لم يطورا أوامر تحميل هذا المترجم في ذاكرة الكمبيوتر، فكتب هذه الأوامر على قطعة ورق قبل أن يغرق في النوم.

وحينها كان كل من يملك عقل سليم متأكداً أن الأمل في تشغيل هذا المترجم على جهاز «ألتير» معدوم، غير أنه حصل العكس وعمل المترجم دون مشاكل. عندها وقّعت شركة «إم.آي.تي.إس.» عقداً مع «مايكروسوفت» التي تم تأسيسها في السنة نفسها أي ١٩٧٥، وعمل غيتس وألن بموجب هذا العقد على جعل «ألتير» جهاز مفيد إذ أن لغة باسيك سمحت بكتابة تطبيقات له. غير أن الأمور لم تسر على ما يرام لأن «إم.آي.تي.إس.» لم تنجح بتسويق مترجم «باسيك» ليعمل على كمبيوترات أخرى. وكانت الشركة متأكدة أنها إذا رخّصت هذا المترجم لأجهزة أخرى ستساعد في تغذية الأجهزة المنافسة لـ«ألتير» الذي سيخسر موقعه الريادي في سوق الكمبيوتر الشخصي.
على أثر هذا الموقف قررت «مايكروسوفت» الابتعاد عن «إم.آي.تي.إس.» خاصة بعد تكاثر عمليات قرصنة مترجم «باسيك» مما أثار حفيظة بيل غيتس. ودفع هذا الأمر بالشركة إلى حصر نشاطها في تركيب مترجمات باسيك داخل ذاكرات من نوع روم الثابتة للأعداد الهائـلة من الكمبيوترات المنزلية التي كانت تصنع في تلك الفترة. وبما أنه مـن الصعب جداً قرصنة ذاكرات روم، بدأ هذا التخصص يدر الأرباح على «مايكروسوفت» وبدأت الشركة بالنمو.
وبالنظر اليوم إلى «مايكروسوفت» ونجاحها، يمكن الملاحظة أنها، منذ تأسيسها، لم تقم باقتطاف العقود كيفما أتت بل هناك عقل يخطط لتحديد استراتيجيتها بدقة. وعندما أيقنت شركة «مايكروسوفت» أن مواردها المالية تأتي أساساً من بيع اللغات البرمجية، حصلت على ترخيص لنظام «يونيكس» وأعادت بيعه تحت إسم «زينيكس» (Xenix) دون أن تقوم بإدخال التعديلات الضرورية بنفسها بل كلفت بها شركة «سانتا كروز أوبريشنز» (Santa Cruz Operations).
أما عندما بدأ جهاز «أپل ٢» يلاقي النجاح الذي تميز به، وكان لدى «مايكروسوفت» كميات قليلة جداً من الرموز البرمجية المتوافقة مع بروسسور ٦٥٠٢ الذي كان يزود الجهاز، قامت الشركة بتصميم بطاقة بمقياس «زد. ٨٠» يمكن تركيبها داخل «أپل ٢» وتحتوي على نظام «سي.بي./إم.» (CP/M) من «ديجيتال ريسرتش» والذي حصلت على ترخيصه. وكانت هذه إحدى الغارات القليلة للشركة في عالم الأجهزة.
عندما كلفت «آي.بي.إم.» شركة «مايكروسوفت» بإنتاج نظام تشغيل لكمبيوتراتها الشخصية الجديدة، قامت هذه الأخيرة بشراء نظام تشغيل من شركة أخرى هي «سياتل كمبيوتر برودكتس» موفرة بذلك أكثر من سنة عمل في التطوير ومكتفية بتنسيقه ليدعم الكمبيوترات الجديدة وعرف بـ«كيو. دوس» (QDOS) ثم تحول إلى إم.إس. دوس.
وبعد ذلك تعاونت «مايكروسوفت» و«آي.بي.إم.» لإنتاج نظام جديد هو «أو.إس./٢». وبينما كان هذا النظام قيد التطوير أخذت «مايكروسوفت» تعمل على نظام وندوز ٣. وأدى الفراق بين «مايكروسوفت» و«آي.بي.إم.» إلى اضطرار الأخيرة لطرح نسخة من «أو.إس./٢» خاصة بها لمنافسة وندوز، ورغم ذلك لا تزال «مايكروسوفت» تتقاضى الجعالات عن كل نسخة من «أو.إس./٢» تبيعها «آي.بي.إم.». وعندما اضطر «أو.إس./٢» إلى دعم وندوز ليحافظ على الأمل في البقاء، إنتقلت «مايكروسوفت» إلى الإصدار ٣٫١ من وندوز حيث ألغت الوضعية الحقيقية التي كان الإصدار السابق يدعمها إضافة إلى الوضعيتين العادية والمحسنة، مما جعل من نظام «أو.إس./٢» متوافقاً مع نسخة قديمة من وندوز، إلى أن طرحت «آي.بي.إم.» إصداراً جديداً يدعم وندوز ٣٫١.
ويظهر من كل تلك الوقائع أن وراء إستراتيجية «مايكروسوفت» عقل مبرمج يقوم بمهمة إدارة أعمال تجارية ناجحة.
والذي يتابـع أخبار بيل غيتس في الصحافة، يلاحظ أنها دائماً تصفه بالإنسان الذكي والمتعجرف والحاد المزاج. وبالرجوع إلى خلفية عائلته ذات المكانة الاجتماعية المرموقة، يبدو غيتس كأنه صبي مدلل لم يتمكن من بلوغ سن الرشد بحيث بقي ذلك المراهق الصعب المراس حسب العديد من الأشخاص الذين تعاملوا معه.
ومن الأسباب المباشرة لصعوبة التعامل معه أنه كثيراً ما كان الناس يعتقدونه صغير الشركة بدلاً من رئيسها، ولكن سريعاً ما كانت ثقته بنفسه وإدارته للأعمال تدهشهم.
ويمكن اختصار شخصية غيتس بالذكاء الفارط المترافق مع رغبة جامحة بالفوز. فلا شك أنه يتميز بالذكاء، وهناك كثيراً من الأدلة على ذلك بدءاً بنتائجه الدراسية موروراً بجودة البرامج التي ربط إسمه بها وانتهاءً بعدد المرات التي فازت بها «مايكروسوفت» رغم عامل الحظ الذي كثيراً ما كان يعاكسها.
من جهة أخرى، عُرف غيتس بتقديره للأشخاص الذين يمكنه التعامل معهم باتصال مميز كما يحب أن يقول، لذلك تظهر «مايكروسوفت» كأنها وحدة عمل متكاملة أكثر من الشركات الأخرى.
ومن الأدلة على رغبة غيتس في الفوز، يمكن ذكر حبه ممارسة اللعب والمقامرة مثل البوكر ولعبة «غو» [*] (Go) وشغفه بقيادة السيارات السريعة. وبلغت به رغبة المقامرة درجة أنه يجعل من أخذ الطائرة للذهاب إلى موعد عمل لعبة مشوقة من نوع:
إلى أي مدى يمكن تأخير الخروج من مكاتب «مايكروسوفت» والوصول إلى المطار قبل إقلاع الطائرة؟

ومن المغري تشبيه بيل غيتس بستيف جوبز، مؤسس شركة «أپل»، فقد ولدا في السنة نفسها وكلاهما أسس شركة كمبيوتر كبيرة. ولكن التشبيه ما يلبث أن ينقلب إلى تباين.
فقد يكون الشبه الوحيد بينهما هو حدة المراس، غير أن الفرق الأساسي يكمن في كون غيتس تقني، أي يستخدم التحليل في تفكيره، بينما يعمل جوبز بالاعتماد على إحساساته وحدسه.
وأخيراً لا يمكن الحديث عن بيل غيتس دون ذكر صعوبة العلاقة بينه وبين الإعلام، لدرجة أن هذا الأخير كثيراً ما يهاجمه عن طريق الطرائف التي يسردها عنه. وربما يعرف القراء القصة التي ظهرت في الصحافة عن بيل غيتس عندما ذهب إلى المتجر لشراء سلعة وتسبب في تأخير طابور الزبائن خلفه للبحث في جيوبه عن قسيمة حسم كـان قد ادخرها لتوفير قليلاً من المال. ويعتمد الإعلام على هذه القصة لوصف بيل غيتس بالبليونير البخيل. وقد يكون ذلك صحيحاً أو قد يكون أن الرجل لا يزال ذلك المراهق الذي عاش من التدبير في سياتل.
في جميع الأحوال سيظل المعجبـون ببيل غيتس والذين يحتقرونه على السواء يتابعون بتشويق كبير المغامرات التي يدفع شركة «مايكروسوفت» إليها.
بطاقة هوية:
الإسم: ويليام هنري غيتس الثالث
تاريخ الولادة: ١٩٥٥
البلد: الولايات المتحدة
الإختصاص: البرامج
النظرية: غير موجود
المنتجات: باسيك، إم.إس. دوس، وندوز
الشركات: مايكروسوفت
[*] jنوع من الألعاب الحربية حيث يحاول كل من اللاعبين السيطرة على العالم بواسطة جيوش ومعارك.

