الصفحة الرئيسية > مجلة أبل في العالم العربي > المجلد الثاني - العدد الثاني والعشرين - حزيران ١٩٩٣ > ستيف جوبز ينقل «أبل» من المرأب إلى الشهرة
ستيف جوبز ينقل «أبل» من المرأب إلى الشهرة
بقلم
نبدأ من هذا العدد سلسلة عن الأشخاص الذين ساهموا في تطور تقنية الكمبيوتر من أيام شارلز باباج إلى وضعها الذي نعرفه اليوم. ومن المنطقي أن نحاول إتباع التسلسل الزمني في حلقاتنا، إلا أننا فضلنا البدء بالكلام عن مؤسس «أپل» ستيف جوبز لارتباطنا العاطفي بمنتجاتها.
بالنسبة لكثير من الناس، يشكل ستيف جوبز لغزاً يصعب فهمه إستناداً إلى المقاييس الثقافية الحالية.
فقد ولد جوبز في ولاية كاليفورنيا في أواسط الخمسينات، وخضع لثورة الفكر والذوق والحريات التي ميزت عقد الستينات في العالم الغربي. وفي منظور الثقافة الغربية الحالية، يبدو الكلام عن هذه الحقبة نوعاً من الحنين إلى ماض يبدو بعيداً مع كل ما أنتجه من حركات هبيية ولاعنفية، لكن في تلك الأيام كانت كل هذه الظواهر تبدو جدية وتشكل تهديداً للمؤسسات والأنظمة السائدة.
ومع أن ولاية كاليفورنيا الأميركية كانت مهد هذه «الثقافة المضادة»، فقد بدت في وادي سيليكون (Silicon Valley) حيث أقام جوبز، مختلفة عنها في الأماكن الأخرى. كان وقتها زمن بدايات المرائب حيث كان من الممكن تحقيق أرباح كبيرة من صناعة الإلكترونيات إذا كانت لديك الخبرات اللازمة والرغبة في العمل الشاق. وكان المثال الأعلى لهذا الجيل شخصان هما هيولت وباكرد اللذان قاما بإنتاج أجهزة إلكترونية عالية الجودة وذلك من داخل مرأب لإصلاح السيارات.
ولا تزال أسطورة البطل المجنون المنعزل العاكف على بناء آلة خارقة في أحد الأقبية أو المرائب حاضرة في الأذهان حتى أيامنا هذه، وكونه عاش في محيط كهذا، كان لا بد لجوبز أن يهتم بالإلكترونيات. ولكنه لم يعر أبداً أي اهتمام للنظريات الكامنة داخل التقنية الإلكترونية، فقد كان مثال الطالب اللامع والنزق الذي لم يكن لديه الوقت للقيام بالأمور المملة كالعمل على الأرض. رغم ذلك كان متأكداً أنه يعرف كل ما يجب أن يُعرف في ما يتعلق بالإلكترونيات حتى التقى ستيفن وزنياك.
كان وزنياك يكبر جوبز سناً وكان العمل التصميمي يسري في دمه. ولم يكن يتقن النظريات فحسب، بل كانت لديه تلك الخبرة التي تتيح تبسيط التصميمات الإلكترونية باستخدام المكونات بطريقة ذكية وبجعل المكونة الواحدة تقوم بأكثر من مهمة. وكانت خبرة كهذه نادرة (كان كلايف سينكلير في بريطانيا من الأشخاص القليلين المعروفين بهذه الخبرة). وعرف عن وزنياك مقدرته على حفظ تصميم لدارة إلكترونية في ذهنه وتبسيطه لدرجة تجعل المصممين الآخرين يعجبون به. وأصبح جوبز ووزنياك صديقين مع أن الكلمة مبسطة نظراً للعلاقة المعقدة التي نشأت بينهما.
كان جوبز يعمل ذلك الحين في شركة تتعاطى بالمكونات الإلكترونية إسمها «هالتك»، مما أتاح له الفرصة لتطوير خبراته كبائع بارع. وكان يحقق الأرباح بشراء المكونات الإلكترونية وبيعها إلى الشركة التي يعمل فيها. وكان معروفاً عن والده أنه متخصص في المبيعات والظاهر أن جوبز تعلم كيف يدير الصفقات من خلال الإستماع والمراقبة.
وفي بداية السبعينات، كانت الحرية الجنسية والمخدرات ومعارضة حرب فيتنام من الظواهر الدارجة بين الشباب في الولايات المتحدة، وكانت هناك ظاهرة مشهورة جداً تعطي لمن يمارسها لقب بطل الثقافة المضادة، وكانت هذه الممارسة تتلخص بإرسال النغمات الصحيحة عبر خط الهاتف وبالتالي التحكم بخطوط المكالمات الخارجية واسخدامها مجاناً.
وكان لا بد لهذه الممارسة واعتمادها على الوسائل الإلكترونية أن تجذب جوبز ووزنياك. فصمم هذا الأخير جهازاً رقمياً ينتج النغمات الضرورية للتحكم بخطوط الهاتف، وأيقن جوبز أن بيع هذا الجهاز سيدر عليهم الأرباح.
وأخذ البيع السري لهذا الجهاز الذي أطلق عليه إسم «العلبة الزرقاء» مداه وقد يكون السبب في إدراك جوبز أن الإلكترونيات يمكن أن تكون مصدر تسلية وربح في وقت واحد.
من جهة أخرى، ورغم موهبته في تنفيذ الصفقات التجارية، كان جوبز في تلك الأيام، نوعاً من «الهيبي» كما كان دارجاً في المجتمع الأميركي وكان يتعاطى الديانات والطقوس الآسيوية التي لاقت رواجاً كبيراً بين شباب تلك الحقبة. ومثل معظم الهيبيين، كان جوبز لا يغتسل ويمشي معظم الوقت حافي القدمين. ومن المدهش أنه تقدم للعمل في شركة «أتاري» التي قبلت طلبه مما يدل كم كانت هذه الشركة غريبة الأطوار في تلك الأيام. رغم ذلك إشترطت عليه أن يعمل في الليل فقط. وبدأ جوبز بالإدخار وسافر إلى الهند في رحلة روحية كما كان رائجاً آنذاك، غير أنه لم يجد ما كان يبحث عنه.
وبعد عودته من الهند سنة ١٩٧٤ تابع العمل الليلي في «أتاري»، وأعاد الإتصال بوزنياك مرة أخرى، وظل مهتماً بالأمور الروحية واعتنق طقوس طائفة «زن» عن طريق المعلم كوبن شينو (الذي أصبح في ما بعد المرشد الروحي «الصوفي» لشركة «نكست»).
في هذا الوقت، كانت ثورة الكمبيوترات الشخصية قد بدأت غير أن هذه الكمبيوترات كانت عديمة الجدوى إذا نظرنا إليها من منظور التطبيقات التي نستخدمها حالياً، لكنها سريعاً ما شكلت جزءاً من الثقافة البديلة الرائجة حينها. ورغب جوبز ووزنياك أن يكونا هما أيضاً جزءاً من هذه الثقافة فتابع جوبز إغتنام فرص جني الأرباح من أفكارهما. وطلب من وزنياك بناء جهاز طرفي يتيح توزيع إستخدامات الكمبيوتر على حسب فترات العمل، ولكن المشروع فشل لأن وزنياك فقد حماسه له بعد أن إنتهى من التصميم الإلكتروني لأن إنهاء الجهاز يتطلب وقتاً وطاقة أكثر مما كان مستعداً لإعطائه.
ولم ييأس جوبز بل دفع بوزنياك لتطوير لعبة إسمها «بريك أوت» (Breakout) لشركة «أتاري» في فترة قياسية. وكانت اللعب في تلك الأيام مدمجة في الشرائح الإلكترونية وليست برامج كما هي اليوم، واستطاع وزنياك أن يطور اللعبة على ٣٦ شريحة فقط. غير أن التصميم كان من التعقيد بحيث عجز مهندسو «أتاري» على فهمه مما تسبب بإعادة تصميمه لتسهيل عملية الإنتاج.
وفي مرأب والد جوبز في كوبرتينو، صمم وزنياك في تلك الفترة لوحة إلكترونية أصبحت لاحقاً «أپل ١» وذلك بعد أن باع جوبز شاحنته الفولكسفاغن ووزنياك حاسبته الإلكترونية لجمع المال اللازم لتأسيس شركة «أپل كمبيوتر» في الأول من نيسان (إبريل) ١٩٧٦. ولدى محاولته تسويق هذه اللوحة، وجد جوبز أن المطلوب كان جهاز كمبيوتر كامل وليست دائرة إلكترونية فقط. فقام بإنتاج الجهاز وسلمه بشكل شبه منتهي لا ينقصه إلا الصندوق ووحدة التغذية الكهربائية. ولاقى هذا الجهاز نجاحاً كبيراً مما دفع بجوبز ووزنياك إلى إنتاج «أپل ٢».
وكان من المفترض أن يشكل جهاز «أپل ٢» إمتداداً لعمليات «أپل ١» ليس إلا، غير أن الشريكين لاحظا سنة ١٩٧٦ أن عالم الإلكترونيات يتهيأ للإنتقال إلى مرحلة جديدة. فخلال معرض الكمبيوتر الشخصي في تلك السنة، كان جناح جوبز ووزنياك لا يتعدى الطاولة وعليها نموذج من جهاز «أپل ٢» داخل صندوق، بينما شارك المصنعون الآخرون مثل «كومودور» و«تاندي» بأجنحة حقيقية تعرض أجهزة منتهية وجميلة ومستعدة للإستهلاك. وكان من الواضح أن على «أپل» الخروج من المرأب وكان المال هو المفتاح لهذا الإنتقال. وكادت شركة «كومودور» أن تشتري شركة جوبز ووزنياك بكاملها لو لم يكن عرضها أقل مما يطلبه جوبز.
من جهة أخرى، لا شك أن تصميم وزنياك لـ«أپل ٢» كان مميزاً جداً. فالجهاز كان ملوناً ويحتوي على ذاكرة فيديو تتوزعها إلكترونيات العرض ووحدة المعالجة المركزية. وبالمقارنة مع الأجهزة الأخرى المتوفرة كان «أپل ٢» يتقدم على زمانه بشكل واضح. وقد شارك جوبز نفسه في التصميم، فهو الذي قرر اعتماد صندوق البلاستك المقولب بزواياه المستديرة وخطوطه المالسة. وقرر كذلك أن على الجهاز أن يكون عديم الصوت خلال العمل مما يعني نزع المروحة منه لأن الصوت يأتي أساساً منها. وللوصول إلى هذا الهدف، عثر جوبز على مهندس قام بتصميم وحدة تغذية كهربائية متطورة تعمل بلا حرارة.
في جميع الأحوال، فإن ما جعل من «أپل ٢» جهازاً ناجحاً للغاية كان عائداً إلى وزنياك. فكانت الأقراص الثابتة، في تلك الأيام، باهظة الثمن، غير أن وزنياك إختصر إلكترونياتها إلى أبسط ما يمكن مماخفض كلفتها بشكل كبير وأدى إلى جعلها عنصراً عادياً داخل «أپل ٢».
يمكن إعتبار تلك الفترة كخاتمة لمشاكل «أپل» المالية خاصة بعد أن أقنع جوبز، سنة ١٩٧٧، مايك ماركولا، المتمول والعامل السابق في «إنتل» بالإنضمام إلى الشركة وتسلم منصب رئيس مجلس الإدارة. ومنذ ذلك التاريخ بدأت مرحلة ما بعد المرأب للشركة ولكن بدأت كذلك مشكلة جوبز نفسه.
فرغم التطور الذي طرأ على عمله، لم يتغير جوبز وبقي يمشي حافي القدمين ولا يغتسل إلا نادراً، وكانت هذه الصورة عكس صورة رجل الأعمال الناجح بالنسبة للآخرين. إلا أن المشكلة بقيت بسيطة إذ بحلول سنة ١٩٧٧ كانت الشركة قد باعت أربعة آلاف جهاز «أپل ٢» وكانت صاعدة بشكل صاروخي، ولم يبلغ جوبز سنه الثاني والعشرين حتى أصبح مليونيراً. رغم ذلك فإن أعضاء إدارة «أپل» لم يخفوا إشمئزازهم منه وعدم محبتهم له.
وفي بداية سنة ١٩٧٨، كانت قيمة «أپل» تعادل ثلاثة ملايين دولار ولم تكن قادرة على إنتاج أجهزة «أپل ٢» بسرعة كافية لتلبية طلبات السوق. رغم ذلك، كان وضع جوبز في الشركة ينتكس أكثر فأكثر، ولم يكن أحد يثق برأيه أو يعترف بقدرته على الإدارة. فمن وجهة النظر التقليدية لم يكن يملك أية قدرات، وبالنسبة لإدارة الشركة كان وزنياك وحده الذي صمم جهاز «أپل ٢».
أما جوبز فقد ترأس فريق إنتاج «أپل ٣» الهادف إلى أعادة تصميم المظهر الخارجي للجهاز ومضاعفة أدائه. ولكن طريقته في الإدارة أغضبت معظم أعضاء الفريق مما حكم على المشروع بالفشل.
بعد عزله عن المشروع، بدأ جوبز بالبحث عن مشروع آخر يقوده. فقد كان مقتنعاً أن الكمبيوتر يجب أن يكون شخصياً إلى درجة تتعدى أجهزة «أپل» ٢ و٣، مما دفعه إلى الإقلاع بمشروع «ليزا»، في أواخر ١٩٨٢ وأوائل ١٩٨٣، السنة التي أصبح فيها جون سكلي رئيساً للشركة. دون أن يستطيع تحديد أهداف المشروع بدقة. غير أن الحل جاء لدى زيارة قام بها فريق «ليزا» لمختبرات شركة «كسيروكس» ومشاهدة نموذج لجهاز قيد التصميم هو «كسيروكس ستار» يشمل الإطارات والرموز والماوس. وأيقن الفريق أن هذا ما كان يبحث عنه وأن هذا هو مستقبل الكمبيوتر. وأيقن الفريق كذلك أن الشرط لنجاح المشروع هو إنتاجه بتكاليف أقل بكثير من تكاليف الجهاز الذي يشاهدو. غير أن مشروع «ليزا» بدأ يسلك الطريق الذي سلكه مشروع «أپل ٣» وتمت إزاحة جوبز عنه.

ولكن جوبز لم ييأس، وقام بجمع فريق جديد حوله وأنتج جهازاً جديداً بدا كأنـه نسخة مبسـطة من «ليزا» غير أنه مختلف تماماً من الداخل. فكان الجهاز مزوداً ببروسسور «موتورولا ٦٨٠٠٠» ويحتوى على لوحة إلكترونية واحدة. وشدد جوبز على أن الجهاز يجب أن يحتل مساحة لا تتعدى حجـم دليل الهاتف على المكتب. وقام بتطـوير هذا الجهاز مع طابعـة ليزر تدعم لغة بوست سكريبت لوصف الصفحات.
وعند طرح هذا الجهاز الذي أطلق عليه إسم ماكنتوش، تأكد فشل مشروع «ليزا» الذي كان غير متوافقاً مع الجهاز الجديد وأكثر كلفة بكثير.
ويمكن القول أن «أپل» سجلت فشلين ذريعين في تاريخها هما «أپل ٣» و«ليزا».
ولكن جهاز ماكنتوش، من جهته، لم يلاق النجاح السريع الذي توقعه ستيف جوبز، وبعد إجتماعات ومشاورات عدة على صعيد إدارة «أپل»، إضطر جوبز إلى الإستقالة وترك الشركة. فكان مستحيلاً لشخصيته وطريقته في الإدارة أن تتوافقا مع نظام شركة تقليدية.
ولكن قصة جوبز لم تنته. فبعد ترك «أپل»، أسس، سنة ١٩٨٥، شركة جديدة هي «نكست» بهدف إنتاج أجهزة كمبيوتر مخصصة للتطبيقات العلمية والتربوية. وبالفعل ظهرت أجهزة «نكست» السوداء واشتهرت لسرعتها وأدائها، وكانت تدعم نظام تشغيل خاص بها هو «نكست ستب» وتعود إلى فصيلة محطات العمل. وبدت «نكست» الشركة التي أراد جوبز لـ«أپل» أن تصيرها.
ولكن رغم أدائها وجودتها، لم تتعد مبيعات هذه الأجهزة منذ تأسيس الشركة حتى اليوم الخمسين ألف جهاز، مما دفع بجوبز، خلال شهر شباط (فبراير) الماضي، إلى إغلاق قسم الأجهزة في الشركة وصرف ٢٣٠ موظفاً من أصل ٥٣٦ وحصر النشاط في تطوير نظام تشغيل «نكست ستب» ومحاولة توزيعه على أكبر عدد ممكن من أنظمة الكمبيوتر في منافسة مباشرة مع نظام «وندوز إن.تي.» الجديد الذي تطوره حالياً «ميكروسوفت»، ونظام شركتي «أپل» و«آي.بي.إم.» المشترك، «تاليجانت».
ولكن هل من الطبيعي أن يأخذ ستيف جوبز مكانه بين آباء الكمبيوتر؟
نعم بالتأكيد، فمن دونه لما ظهرت كمبيوترات ماكنتوش ولما سجـلت «أپل» هذا النجاح الكبير.
بطاقة هوية:
الإسم: ستيفن
الكنية: جوبز
تاريخ الولادة: ١٩٥٥
تاريخ الوفاة: ٢٠١١
البلد: الولايات المتحدة
الإختصاص: مثالي
النظرية: غير موجود
المنتجات: «أپل» ١ و٢، «ماكنتوش»، «نكست».
الشركات: «أپل»، «نكست».

