الصفحة الرئيسية > مجلة أبل في العالم العربي > المجلد الثالث - العدد التاسع والعشرين - شباط (فبراير) ١٩٩٤ > غاري كيلدال : رجل الفرصة الضائعة

غاري كيلدال : رجل الفرصة الضائعة

بقلم جورج قندلفت

تأتي وقائع عديدة في تاريخ الكمبيوتر من الصدف الحسنة. ولكن هذا التاريخ يتقولب أحياناً حول فرص ضائعة. ولا شك أن قصة غاري كيلدال مؤسس شركة «ديجيتال ريسرتش» تشكل إحدى هذه الفرص الضائعة التي لولاها لتربع كيلدال وشركته اليوم مكان بيل غيتس و«مايكروسوفت».

تميز غاري كيلدال (Gary Kildall) بتأثير كبير في ثورة الميكرو كمبيوتر، ولا يزال هذا التأثير ظاهراً في الكمبيوترات الشخصية اليوم.

ومن المغري تشبيه غاري كيلدال ببيل غيتس لأن الإثنين طورا تنسيقات لغات برمجة وأنظمة تشغيل وأسسا شركات كبيرة. ولكن التشابه يبقى سطحي جداً.

فبيل غيتس كان ولا يزال من المتحمسين للكمبيوتر الشخصي ومن رواد المرآب والبرمجة الديناميكية، أي بعبارة أخرى يشكل جزءاً لا يتجزأ من ثورة الكمبيوتر في السبعينات. أما كيلدال، فلم يكن أبداً من المتحمسين وأخرج نفسه من ثورة الكمبيوتر وأصبح متفرجاً أكثر مما هو مشاركاً.

ونال كيلدال شهادة الدوكتوراه في علم الكمبيوتر سنة ١٩٧٢ في وقت بدأت أجهزة الميكرو كمبيوتر بالظهور. والتحق بعد ذلك بالبحرية الأميركية ودرّس علم الكمبيوتر في معهد «مونتري» لخريجي البحرية والذي كانت ترعاه شركة «إنتل»، في تلك الفترة، وحيث قام كيلدال بتدريس البرمجة المبنية والمجزأة (modular).

ويمكن للخلفية الأكاديمية أن تفسر بعض الأحداث الغريبة التي ميزت حياة كيلدال. فمثل الكثير من الأكاديميين، عمل كيلدال على مشاريع حقيقية بما فيها مشروع «بي.إل./إم.». وكانت أجهزة الميكرو كمبيوتر، في ذلك الوقت، تبدو ضعيفة جداً مقارنة بالأجهزة الإيوانية الكبيرة وأجهزة الميني كمبيوتر التي كان يستخدمها الأكاديميون. وكان إحساس مهنيي الكمبيوتر تجاه الميكرو كمبيوتر يتلخص بالسؤال التالي: ماذا يمكن أن تفعل به؟

وكانت هذه الأجهزة تبدو كأنها ألعاب أو، في أحسن الأحوال، هواية إلكترونية. ولكن المتحمسين للكمبيوتر الذين لم يكن في مقدورهم الوصول إلى الأجهزة الكبيرة، كانوا ينظرون إلى الميكرو كمبيوتر كأنه قمة التكنولوجيا لأنه الجهاز الوحيد الذي كان في متناولهم. وبالنسبة لهم لم يكن السؤال: ماذا نفعل به، بل كيف نتعامل معه؟

في منتصف السبعينات، شارك كيلدال في مشروع تدعمه شركة «إنتل» لتطوير مصنف لغة برمجة عالية المستوى لبروسسور ٨٠٨٠ (وهو الأول في عائلة البروسسورات التي تطورت لتصبح ٢٨٦ و٣٨٦ و٤٨٦ واليوم بنتيوم). وكانت هذه اللغة «بي.إل./إم.» (Programming Language for Microcomputers -PL/M)، وقد أطلق عليها هذا الإسم للتشبه باللغة التي طورتها «أي.بي.إم.» وهي «بي.إل./إس.»، ويعني حرف إس. هنا اللغة المتفوقة (Superlanguage). ومن الأكيد أن «بي.إل./إم.» لم يكن تلك اللغة المتفوقة بل لغة منخفضة المستوى مبنية على المجموعات مثل لغة «سي».

ولإعطاء فكرة عن ابتعاد كيلدال عن تيار ثورة الكمبيوتر الشخصي، يمكن ذكر استخدامه نظام تطوير من «إنتل» لإنشاء المصنف. وكان هذا النظام عبارة عن عدة تطوير مرتفعة السعر مكونة من أجهزة وبرامج لا تستخدمها إلا شركات الإلكترونيات الضخمة وهي أبعد ما يكون عن المتحمسين للكمبيوتر الشخصي. والحال أن تلك الشركات هي بالذات من اشترى مصنف «بي.إل./إم.» واستخدمه.

وهنا تبدأ القصة الغريبة. فكان نظام تطوير «إنتل» يحتوي محرك أقراص مرنة، مما كان يعتبر تطوراً مهماً في تلك الأيام. ولم تكن الأقراص المستخدمة هي تلك التي نعرفها اليوم (أي ٥٫٢٥ و٣٫٥ بوصة) بل أقراص ٨ بوصات القديمة. ويكاد الأمر أن يكون طريفاً اليوم، فلدى طرح هذه الأقراص ومحركاتها، لم يكن أحد يملك برامج لتشغيلها. وقد ظهرت محاولات قليلة لكتابة برامج تحميل المحركات التي أضيفت إلى أجهزة الميني والميكرو كمبيوتر، ولكنها لم تنتشر أبداً وكان الميكرو كمبيوتر يشمل محرك أشرطة مغنطيسية كانت تقوم بتشغيله برامج بسيطة جداً مخزنة في ذاكرة روم. وكان باستطاعة المستخدم تحميل ملفات من هذه الأشرطة وحفظها كما يفعل مع الذاكرة، ولكن لم يكن هناك شيء يشبه أنظمة التشغيل الحديثة التي اعتدنا عليها.

وواجه كيلدال المشكلة نفسها عندما حاول تنسيق «بي.إل./إم.» لنظام تطوير بروسسورات ٨٠٨٠، فكتب برنامجاً صغيراً لتشغيل محركات أقراص ٨ بوصات. وكان أهم فرق بين برنامجه والمحاولات الأخرى، أنه فصل الجزء الذي يحاور مباشرة المحرك عن سائر البرنامج. وكانت النتيجة أنه حصل على نظام تشغيل بسيط يتيح إعادة كتابة برنامج تشغيل محرك الأقراص ليعمل مع أي جهاز يحتوي بروسسور ٨٠٨٠ دون الأخذ في الاعتبار الفوارق بين الأجهزة. وأطلق على نظام التشغيل هذا إسم «سي.بي./إم.» (Control Program for Micros - CP/M)، ولم يكن هذا الإسم يصف طبيعة النظام بقدر ما كان محاولة تذكير بنظام «بي.إل./إم.» الذي تم تطويره تحت إشراف «إنتل».

وقدم كيلدال نظام «سي.بي./إم.» إلى «إنتل»، وهنا حصلت الغرابة، إذ أن الشركة رفضته. وبعد هذه الحادثة، استخدم نظام «سي.بي./إم.» كتمرين لطلاب كيلدال في معهد البحرية والذين أدخلوا تحسينات عليه لدرجة أنه أصبح مشاعاً (Public Domain). ويعود ذلك إلى أحد القوانين الأميركية التي تفرض على برنامج أو نظام تم تطويره في المؤسسات التعليمية ويتمتع بأهمية معينة، أن يصبح مشاعاً بعد فترة معينة من تطويره.

إلى هنا، كان من المتوقع أن يغيب نظام «سي.بي./إم.» في النسيان (وهناك من يقول أنه يستحق ذلك)، ولكنه على عكس ذلك بدأ ينتشر في الولايات المتحدة. ويعود ذلك إلى الاهتمام الذي أبداه جون تورود، من شركة «ديجيتال سيستمز» التي سوقت أول كمبيوتر شخصي يعتمد على بروسسور ٨٠٨٠، وهو «ألتير».

فكان جون تورود أول من قام بتسويق نظام «سي.بي./إم.» وذلك بربطه ببطاقة التحكم بالأقراص التي كان يسوقها.

وسريعاً ما بدأت شركات الكمبيوتر الأخرى بمحاصرة غاري كيلدال للمطالبة بهذا النظام، مما اضطره لجمع رأس مال صغير لبيع النظام ودعمه.

غاري كيلدال، رجل الفرصة الضائعة.

وانتقل الشغف بنظام «سي.بي./إم.» إلى بريطانيا وأوروبا عامة حيث نشر عدد من مجلات الكمبيوتر قصته سنة ١٩٧٦، وأصبح مقياساً لأجهزة الميكرو كمبيوتر. فلم يكن مستخدمي الكمبيوتر في المنطقة، قد رأوا هذا النظام أو سمعوا عنه، ولكن فجأة أحسوا بالحاجة إلى البحث عنه واقتنائه. وجعل هذا المنتج الوحيد من «ديجيتال ريسرتش» (Digital Research)، التي أسسها كيلدال، أهم شركة برامج للميكرو كمبيوتر في العالم بين ليلة وضحاها.

وفي تلك الفترة جرت محاولات متعددة لتطوير أنظمة تشغيل أخرى، نذكر منها «فليكس» و«يونيفليكس» و«أو.إس./٩» و«يونيكس»، لكن الجهاز الذي لم يكن يحتوي نظام «سي.بي./إم.» كان يشكل الاستثناء. ولا يزال هذا النظام موجود حتى يومنا هذا. فإضافة إلى الأجهزة القديمة التي لم يرض أصحابها التخلص منها والتي تعمل به، هناك أجهزة حديثة تدعمه مثل كمبيوترات «أمستراد بي.سي.دبليو» (Amstrad PCW) البريطانية والتي لا تزال تصنّع.

وطورت «ديجيتال ريسرتش» منتجات أخرى، في ذلك الوقت، وشارك كيلدال شخصياً في العديد منها مثل «دي.آر. لوغو» (DR Logo) لنظام «سي.بي./إم.» وبعده للكمبيوتر الشخصي. ومع أن كيلدال لم يخترع لغة لوغو، إلا أنه نجح في تنسيقها لخدمة الأجهزة، وسجل هذا المنتج نجاحاً أكيداً.

وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال بدهي هو: لماذا تستخدم الأكثرية الساحقة من الكمبيوترات الشخصية اليوم نظام «دوس» من «مايكروسوفت» بدلاً من نظام «سي.بي./إم.» من «ديجيتال ريسرتش»؟ أما الإجابة على هذا السؤال فتشكل الغرابة الثانية في حياة غاري كيلدال.

فقد كان تطوير «سي.بي./إم.» خطوة ممتازة من كيلدال، إلا أن تطوير هذا النظام شكل خروجاً عن اهتمامات كيلدال. فلم يكن هذا الأخير من المتحمسين لأجهزة الميكرو كمبيوتر، وظهر ذلك في مشاريعه اللاحقة. فعلى سبيل المثال، اقترح عليه العاملون في أحد المختبرات والمعروفون بحماسهم للميكرو كمبيوتر، أن يطور نسخة من لغة باسيك لهذا الجهاز، أجاب إنها فكرة غبية. فكان لا يزال يعتقد أن الميكرو بروسسور لا ينفع إلا للغسّالات أو الآلات المشابهة. وبالطبع فقد كانت نظرة بيل غيتس وبول ألن إلى الموضوع مختلفة كلياً مما دفعهما لكتابة هذه النسخة من باسيك بالذات. والطريف في الموضوع أن غوردون يوبانكس مطور لغة «سي. باسيك» التي كانت أكثر المنافسين جدية للغة «مايكروسوفت»، كان يحضر أطروحته تحت أشراف كيلدال.

وإذا بدا أول حدث مهم في حياة كيلدال (تطوير «سي.بي./إم.») كأنه صدفة، فإن الحدث الثاني كان صدفة أكيدة. والقصة هنا ليست مؤكدة لأنها قيلت ثم نفيت ثم قيلت مرة أخرى. ولكن على ضوء الأحداث التي وقعت وما عرف عن طبع كيلدال، تبدو هذه القصة محتملة جداً.

فإضافة إلى استمتاعه بالبرمجة، كان غاري كيلدال شغوفاً بكل ما له صلة بالإلكترونيات. وكان يملك سيارات فخمة وطائرة صغيرة مخصصة للألعاب البهلوانية الجوية. ومثل العديد من المبرمجين، كان يحب العبث بالألعاب التكنولوجية، خاصة للهروب من ضغوط إدارة «ديجيتال ريسرتش» التي أصبحت شركة كبيرة.

وجاء الحدث المثير حين بدأت «آي.بي.إم.» بصنع الجهاز الذي أصبحنا نعرفه جيداً تحت إسم «كمبيوتر آي.بي.إم. الشخصي» (IBM PC). فتعاقدت الشركة مع بيل غيتس ليقدم لها نسخة من باسيك يتم تخزينها في ذاكرة روم، وفي سنة ١٩٨٠ كانت على وشك توقيع اتفاق مع «ديجيتال ريسرتش» تحصل بموجبه على «سي.بي./إم. ٨٦» الذي كان تنسيقاً مباشراً للإصدار ٢٫٢ من النظام.

وهنا يأتي الجزء غير الواضح من القصة. فتقول الإشاعات أنه في اليوم الذي أراد رجال «آي.بي.إم.» الاجتماع فيه بكيلدال لتوقيع العقد، لم يمكن العثور عليه. وقيل أنه يومها كان يقود طائرته المفضلة، مع أن رواية أخرى قالت أنه كان على متن يخته في عرض المحيط. وفي الحقيقة، لا يهم ما كان يفعله غاري كيلدال ذلك اليوم (مع أن تصوره يدور في الجو في الوقت الذي يحاول فيه رجال البذلات الزرق - وهو لباس العاملين في «آي.بي.إم.» - توقيع إتفاق معه، يضيف بعض التوابل على القصة)، بل المهم أنه لم يكن موجوداً.

وتقول الإشاعة نفسها أنه نتيجة الغضب الذي ولده غياب كيلدال ذلك اليوم، وقعت «آي.بي.إم.» في أحضان بيل غيتس الذي وعد بتقديم نظام تشغيل أفضل من «سي.بي./إم.»، مع أنه لم يكن يملك أي نظام ولم يكن لديه أية خبرة في كتابة نظام تشغيل. ولكن «مايكروسوفت» تدبرت الأمر وقدمت «إم.إس. دوس» كما رأينا في حلقتنا عن بيل غيتس. وكانت نتيجة فشل الاتفاق بين «آي.بي.إم.» و«ديجيتال ريسرتش» كارثية على هذه الأخيرة، إذ أنها منذ ذلك اليوم فقدت مركز الريادة ولم تتمكن أبداً من احتلاله من جديد.

بعد فشل عملية نظام التشغيل، حصرت «ديجيتال ريسرتش» نشاطها كله في محاولة اللحاق بـ«مايكروسوفت» وتخطيها. ولكنها كانت بطيئة في مجال أنظمة التشغيل، وهو المجال التي جنت منه معظم أرباحها. فبقي «سي.بي./إم.» دون تحديثات تذكر على مدى سنوات، ولم يتم تزويده بوظائف التحكم بالأقراص الثابتة إلا ببطء شديد. وكان الحل الوحيد أمام «ديجيتال ريسترتش» لكي تستعيد بعضاً من مجدها، أن تطور نظام تشغيل متعدد المستخدمين عرف بنظام «إم./بي.إم.» وتحول في ما بعد إلى «كنكورانت دوس» (Concurrent Dos) الذي وفر الخبرة اللازمة لتطوير «دي.آر. دوس» أهم منافس اليوم، لنظام «إم.إس. دوس».

ومع أن «دي.آر. دوس» لم يتمكن أبداً من التغلب على «إم.إس. دوس»، إلا أنه أخطر منافس له ومصدر تهديد مستمر لسيطرة «مايكروسوفت» على أنظمة التشغيل. ويأتي «دي.آر. دوس» بوظائف جديدة في كل تحديث له مثل وظائف إدارة الذاكرة وضغط الملفات لزيادة التخزين على القرص الثابت. وكانت هذه المرة الأولى التي تصل فيها هذه الوظائف إلى الجمهور الواسع دون استخدام برامج متخصصة لذلك.

وأجبر ذلك شركة «مايكروسوفت» على طرح إصدارات جديدة من «إم.إس. دوس» تدعم تلك الوظائف أيضاً لمنع «دي.آر. دوس» من التغلب على نظامها.

وحاولت «ديجيتال ريسرتش» أيضاً تخطي نظام وندوز بطرحها أول نظام مبني على الرسوم التخطيطية للكمبيوترات الشخصية هو «جيم» (Gem). وكان «جيم» نظاماً ممتازاً، ولكن مرة أخرى، لم يتم تحديثه بالسرعة اللازمة. وقد اعتمدته شركة «أتاري» لأجهزة «إس.تي.»، ولكن لم تستطع هذه الأجهزة بدورها أن تتغلب على الكمبيوتر الشخصي.

وفي النهاية، فقد استولت شركة «نوفل» (Novell) على «ديجيتال ريسرتش» وتابعت نشر نظام «دي.آر. دوس» تحت إسم «نوفل دوس».

وفي آخر المعلومات، يبدو أن غاري كيلدال لا يزال عضواً في مجلس إدارة «ديجيتال ريسرتش» ولكنه لم يعد يلعب دوراً فاعلاً في الشركة.

وفي سنة ١٩٨٤ أسس شركة «أكتيفانتشر» (Activenture) للعمل على مشاريع مثل تخزين موسوعة «غرولييه» على أقراص ليزر.

وظهر كثيراً في برنامج «قناة الكمبيوتر» على التلفزيون الأميركي، ولا يزال يعتبر مرجعاً مهماً في مجال الكمبيوتر.


بطاقة هوية:

الإسم: غاري كيلدال
تاريخ الولادة: ١٩٤٢
تاريخ الوفاة: ١٩٩٤
البلد: الولايات المتحدة
الإختصاص: البرمجة
النظرية: غير موجود
المنتجات: بي.إل./إم.، سي.بي./إم. ودي.آر. لوغو
الشركات: ديجيتال ريسرتش وأكتيفانتشر

صالة العرض

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.