الصفحة الرئيسية > آباء الكمبيوتر > كونراد تسوزه: كينغ كونغ وأول كمبيوتر في التاريخ
كونراد تسوزه: كينغ كونغ وأول كمبيوتر في التاريخ
بقلم
من الشائع الاعتقاد أن الحروب تشكل حافزاً مهماً لتطور التكنولوجيا. والحال أن حاجات الحرب العالمية الثانية كانت الدافع الأساسي لتطور الكمبيوتر الرقمي في الولايات المتحدة وبريطانيا. ففي الولايات المتحدة تمثلت هذه الحاجة في بناء جداول إطلاق قذائف المدفعية وبعدها بناء القنبلة الذرية. أما في بريطانيا فكان العمل السري في بليتشلي بارك لفك الشيفرة الألمانية هو الذي احتاج إلى الكمبيوتر. وأمام هذه الأهمية التي ظهرت للكمبيوتر في المجهود الحربي لدى الحلفاء، يصبح من المنطقي التساؤل عما كان يحدث في الجهة المقابلة. ويعتمد الجواب على قصة شخص واحد هو كونراد تسوزه ومجموعة من الكمبيوترات التي تزعم إنها الأولى في تاريخ الكمبيوتر. ولكن هذه القصة ليست كما يمكن للبعض أن يتوقع.
ولد كونراد تسوزه (Conrad Zuse) في برلين قبيل الحرب العالمية الأولى. والأرجح أن والداه كان صدرهما واسعاً وبالهما طويلاً لأنهما لم يتحملا تجارب كونراد وحسب بل ساعدا في تمويلها. فمنذ سن مبكرة جداً اهتم كونراد بالأتمتة وبنى آلة توزع قطع الشكولاطة باستخدام لعبة كانت النسخة الألمانية للعبة الميكانو المعروفة. ولم تكتف هذه الآلة بتقديم الشوكولاطة بل كانت تعيد المبلغ الصحيح! وفي سن التاسعة عشرة دخل جامعة برلين ليدرس الهندسة المعمارية والمدنية وما لبث أن اكتشف عدم ارتياحه للحسابات المتكررة والروتينية. وكان المهندسون آنذاك يتقنون تنفيذ مسائل من نوع هل أن بنية ثابتة مثل السطح ستبقى قائمة أم ستنهار، ولكن هذه المسائل كانت تتطلب حل كمية هائلة من المعادلات الخطية الآنية. وكانت الوسيلة الوحيدة التي يمكن استخدامها لحل هذه المسائل هي الوسيلة البهيمية أي الحساب اليدوي. وكان يتطلب أحياناً حل هذه المعادلات لبنية فعلية أشهراً على حالها وأيقن تسوزه أن هذا العمل الممل جداً يشكل مضيعة كبيرة للوقت. فبدأ يفكر بطريقة لأتمتة هذه الحسابات بحيث يمكن القول إنه قرر اختراع الكمبيوتر بدلاً من تنفيذ الحسابات بنفسه.
وتخرج تسوزه سنة ١٩٣٥ وبدأ بالعمل في شركة هنشل لتصنيع الطائرات بصفة محلل عوامل الضغط، ويمكن للقارئ أن يتصور سريعاً ما يعني ذلك: المزيد من المعادلات المعقدة. وفي سنة ١٩٣٦، بدأ العمل على أول جهاز كمبيوتر بعد ما كان خطط له في السنوات السابقة. وهذا التاريخ مهم جداً لإنه يضع تسوزه في موقع يسبق بكثير المحاولات الأخرى المعروفة لبناء جهاز كمبيوتر.
وما لبث تسوزه أن أعلن لوالديه أنه قرر الاستقالة من وظيفته للمكوث في المنزل والتفرع لبناء الجهاز على طاولة المطبخ. وصرح تسوزه في ما بعد أن والديه لم يكونا سعيدين كثيراً بهذا القرار. ونتج عن هذا التفرغ جهاز «في. ١ - في» (Versuchsmodell أي النموذج الاختباري بالألمانية) الذي بلغت أبعاده مترين في متر ونصف المتر وكان ميكانيكياً خالصاً. وفي الواقع، فقد تم بناؤه مرة أخرى باستخدام ما يعادل الميكانو بالألماني. وكان هذا الجهاز عبارة عن ألف صفيحة معدنية فيها شقوق تلعب دور الذاكرة. أما الإدخال فكان يتم عبر قارئ شريط ورقي، واستخدم تسوزه شريط بعرض ٣٥ ملم فيه ثقوب. وتزود الجهاز أيضاً بلوحة مفاتيح وعرض نتائج المعالجات بواسطة صف من الإشارات الضوئية.
ومع أن هندسة الجهاز الميكانيكية كانت ساذجة بعض الشيء إلا أن أهم ما ميزه هو استخدامه للنظام الثنائي. فكانت كل الأجهزة السابقة وحتى تصميمات باباج تعتمد على الحساب العشري. وبفضل استخدام النظام الثنائي تمكن تسوزه من تجنب كل العجلات والمسننات المعقدة الضرورية للحساب العشري. كما أدى هذا النظام بشكل طبيعي إلى تصميم تركيبي يستخدم النظير الميكانيكي للبوابات المنطقية.
لكن رغم ذلك، لم تكن الآلة موثوقة وبالطبع كانت بطيئة جداً...جداً.
وكانت الخطوة التالية بناء آلة «في. ٢». وفي هذه الآلة استبدل تسوزه المحولات الميكانيكية بمحولات كهرو-ميكانيكية أي متابعات (relays). وسجل بذلك أول استخدام معروف للمتابعات في أجهزة الكمبيوتر. إلا أن الذاكرة بقيت ميكانيكية ومع أن «في. ٢» كان أسرع من سابقه إلا أنه كان غير موثوقاً هو الآخر. ولحسن حظ تسوزه، فالمرة التي عمل فيها دون أي خطأ كانت أمام ألفرد تيشمان وهو أحد أهم مصممي الطائرات. وأعجب بالجهاز لحد أنه أمن دعماً كافياً لبناء جهاز ثالث.
إذن كانت المهمة التالية بناء آلة جديدة وهي «في. ٣». وفي أيام آلة «في. ٣» دخل عامل مؤثر هام هو كيغ كونغ! نعم القرد العملاق الذي تسلق بناء إمباير ستيت في نيو يورك وتم التغلب عليه بواسطة طائرة ثنائية الأجنحة. كان تسوزه وعدد من أصدقائه مولعين بهذا الفيلم لدرجة أنهم أنشأوا نادي للمعجبين به. وقرروا إنتاج مسرحية من قصة الفيلم حيث أمل تسوزه ان يلعب دور كينغ كونغ ولكن في النهاية رسى الدور على رجل أضخم منه هو هلموت شريير. وعرضت المسرحية لأسابيع في أحد مسارح برلين حيث قام شريير ليلة بعد أخرى بالهجوم على المسرح وتحطيم مجسمات لناطحات سحاب مصنوعة من الورق المقوى وفي النهاية الوقوع صريعاً بنيران دمى على شكل طائرات.
فما علاقة كل ذلك بالكمبيوتر؟ الجواب هو في كون شريير مهندساً ودخل مع تسوزه في نقاشات طويلة حول الكمبيوتر خلال بروفات المسرحية. واقترح شريير على تسوزه استخدام الصمامات كأدوات تحويل في البوابات المنطقية. وكون آلة تسوزه تعتمد على البوابات المنطقية جعلها قابلة للبناء بأية تكنولوجيا داعمة لهذه البوابات.
والصمامات هي محولات سريعة لكنها باهظة الثمن مما يجعلها دون متناول تسوزه. ولكن الرجلين أيقنا انه من الممكن بناء كمبيوتر يعتمد على الصمامات وهكذا فقد تنبآ بالمستقبل خلال تمثيلهما لمسرحية كينغ كونغ. و رغم ان تسوزه اضطر للعودة الى المتابعات في بناء «في. 3»، تناول شريير هذه الافكار في أطروحة دوكتوراه سنة ١٩٣٨.
وعندما اندلعت الحرب سنة ١٩٣٩، تم تجنيد تسوزه في الجيش. ولكن هل تم تجنيده كأخصائي بارز في بناء آلات ضرورية للحرب؟ كلا، جُند كجندي عادي. فالحكومة الألمانية لم تهتم أبداً بأجهزة الكمبيوتر واعتبرتها غير ذات منفعة. لماذا؟
قد يكون السبب ان السلطات العسكرية الألمانية اعتقدت ان الحرب على وشك الانتهاء بنصر مبين وان الحاجة هي للأبحاث العسكرية قصيرة المدى. فما الحاجة بهم لبناء جهاز كمبيوتر اذا كان اتمامه سيتعدى نهاية الحرب؟ والحال ان تسوزه وشريير اقترحا خططاً لجهاز كمبيوتر سريع يتخصص في كسر الشيفرة سنة ١٩٤٠ فسئلا ما اذا كان بناؤه سيستغرق أكثر من عام واحد. وعندما أقرا ان البناء سيسغرق أكثر من عام رُفض الاقتراح.

كمبيوتر او صاروخ
تم إنجاز «في.٣»، الذي أعيدت تسميته هو وسابقاه «زد. ١» و«زد. ٢» و«زد. ٣» لتجنب الخلط بينها وبين صاروخي «في. ١» و«في. ٢»، سنة ١٩٤١ وعمل دون مشاكل. واستخدم الجهاز ٢٦٠٠ متابع وبلغت كلفته ٦٥٠٠ دولار وكان أول حاسبة قابلة للبرمجة بالكامل. وكان بمقدور وحدة الحساب فيه ان تنفذ عمليات الجمع والطرح والضرب والقسمة لكنها كانت بطيئة نظراً للمهمات التي بنيت من أجلها. فقد استغرقت عملية جمع واحدة ثلث الثانية اما ضرب رقمين فاستغرق بين ثلاث وخمس ثوان. وكانت الذاكرة تخزّن ٦٤ رقماً طول ٢٢ بت فقط ولكن هذا الحجم كان كبيراً لجهاز يعتمد على المتابعات.
تم بناء الجهاز في ثلاثة صناديق وزُوّد بوحدة تحكم استخدمت قارئ أشرطة ٣٥ ملم. وكانت مهمة الجهاز الأساسية حل معادلات آنية بتقييم مُحددة مصفوفة معقدة. والهدف من العملية كان تخمين رفرفة الأجنحة وهي عملية لا تقدم ولا تؤخر في المجهود الحربي.
اما الخطوة المهمة التالية فتمثلت بجهاز «زد. ٤». فبحلول سنة ١٩٤٢، كان تسوزه قد أسس شركته الخاصة (Zuse Apparetbau) التي وظّفت ٢٠ شخصاً. وقامت وزارة الطيران بتمويل الكمبيوتر الجديد لمتابعة العمل على تصميم هياكل الطائرات وأجنحتها.
واعتمد جهاز «زد. ٤» جزئياً على الإلكترونيات وتمكن أخيراً من الوصول الى سرعات معقولة في عملياته الحسابية (ثلاث ثوان للضرب) وكان يتمتع بحجم لا بأس به من الذاكرة (٥١٢ رقم طول ٣٢ بت).
قصة متابعات
ظل الألمان على تجاهلهم لأهمية الكمبيوتر. فقد عرف تسوزه من أحد أصدقائه ان وكالة الاستخبارات حصلت على صورة جهاز «إم. كيه. 1» لهاورد إيكن (أنظر الفصل المخصص له) وهو جهاز يعتمد على المتابعات. بالطبع كان هذا خرقاً فاضحاً للسرية وبدلاً ان يطلب تسوزه الاطلاع على الصورة، قدم استفساراً للاستخبارات العسكرية يسأل فيه اذا ما كان لديهم اي شيء متعلق بأجهزة الكمبيوتر. فجاءه الجواب بأن الاستخبارات لا تملك اي معلومة. فدلّه صديقه عن مكان تخزين الصورة ومع هذه المعلومة تمكن من الحصول عليها. ولحسن الحظ لم يتنبه أحد الى ان هذا الطلب يشكل خرقاً للأمور الأمنية! لم ينتفع تسوزه كثيراً من الصورة ولكن صعوبة الحصول عليها دلت على عدم إدراك الألمان لأهمية الكمبيوتر في الحرب.
وفي آخر أيام الحرب دمّر القصف أجهزة تسوزه باستثناء جهار «زد. ٤». وبعد معركة ستالينغراد أدرك تسوزه أن ألمانيا سوف تخسر الحرب فقام بحزم «زد. ٤» وحاول العثور على مكان آمن لتخزينه. فقطع فيه ألمانيا نحو الجنوب بصحبة فرنر فون برون وفريقه من علماء الصواريخ. وكانت فكرتهم انه من الأفضل الوقوع في أيدي الأميركيين بدلاً من الروس.
وتلقى تسوزه أمراً بتخزين جهازه في نورثايم الا انه بعد مشاهدة المعتقلات هناك قرر متابعة المسير. واهتدى أخيراً الى مخبأ في قرية صغيرة اسمها هنترشتاين في جبال الألب البافارية وتم وضع «زد. ٤» في قبو بين براميل تفاح وجرت الأمور على ما يرام الى ان اقتنع أهل القرية ان ما هو مخبأ ليس الا سلاح سري من أسلحة هتلر. ووصل الخبر الى الحلفاء فقاموا بتوقيف تسوزه واستجوابه ولكن لم يدم توقيفه طويلاً اذ تبين ان هو وجهازه بريئان.
هنا تقريباً تنتهي قصة كونراد تسوزه. فقد أمل ان يتم توظيفه بعد الحرب في آي.بي.إم. او اي شركة كمبيوتر كبيرة في الولايات المتحدة او بريطانيا، ولكن مع ان الولايات المتحدة استقبلت علماء الصواريخ الألمان، الا انهم لم يبدوا اي اهتمام برواد الكمبيوتر. وأمضى تسوزه بعض الوقت في مفاوضات مع آي.بي.إم. ولكن كل ما كان يهم الشركة هو الحصول على براءات الأجهزة وليس على الذي اخترعها. اما صديقه شريير، فذهب الى أميركا الجنوبية حيث صار رجل أعمال ناجحاً. وانتقل تسوزه من قرية هنترشتاين الى قرية أخرى في جبال الألب وبقي هناك بضع سنوات يعمل على لغة برمجة جديدة.
تشذيب اللغة
لم تكن سنوات ما بعد الحرب مناسبة لابتكار الأجهزة فشكلت البرمجيات حقلاً أكثر ملاءمة. ووضع تسوزه لغة بلان كالكول (PanKalKul) وهي عبارة عن لغة برمجة عامة لكن يبدو ان لا أحد اعارها اي اهتمام. وأخيراً رسى جهاز «زد. ٤» في معهد التكنولوجيا (Technische Hochschule) في زوريخ حيث كان تسوزه يقيم سنة ١٩٥٠.
وتم استخدام هذا الجهاز لبضع سنوات اذ كان جهاز الكمبيوتر الجدي الوحيد في القارة الأوروبية. وفي سنة ١٩٤٩، أسس تسوزه شركة - Zuse KG- وصل توظيفها الى ١٠٠٠ شخص لبناء أجهزة كمبيوتر علمية. ومكث في هذه الشركة حتى سنة ١٩٦٦ قبل ان يتقاعد ويتفرغ لقليل من الاستشارات وكثير من الرسم (هوايته المحببة طيلة حياته). اما شركته فتم استيعابها لاحقاً من قبل شركة سيمنز.
يبرز كونراد تسوزه وأجهزة «زد.» منفردين في تاريخ الكمبيوتر. فمن الشيق التكهن ماذا كان سيحدث في الحرب لو ان السلطات الألمانية دعمته في أبحاثه. وبالمقارنة بالتمويل الذي حصل عليه آباء الكمبيوتر في الولايات المتحدة وحتى في برطانيا فقد عمل تسوزه وحيداً وبدون اي شكل من الدعم الفعلي وبغياب هذا الدعم تبدو انجازاته أكثر دهشة من انجازات الآخرين.
بطاقة هوية
الاسم: كونراد تسوزه
تاريخ الولادة: ١٩١٠
تاريخ الوفاة: ١٩٩٥
البلد: ألمانيا
الاختصاص: الأجهزة
النظرية: غير موجود
المنتجات: مجموعة كمبيوترات زد.
الشركات: Zuse Apparatebau وZuse KG
