الصفحة الرئيسية > آباء الكمبيوتر > سيرغيه ليبيديف الرجل الذي بنى أول كمبيوتر سوفياتي
سيرغيه ليبيديف الرجل الذي بنى أول كمبيوتر سوفياتي
بقلم
اذا فكرنا في بداية تاريخ الكمبيوتر عادة ما يأخذنا تفكيرنا نحو أشخاص ومشاريع في الولايات المتحدة او بريطانيا مع لفتة سريعة نحو ألمانيا وأجهزة كونراد تسوزه. واذا ما ذكرت روسيا او ما كان آنذاك الاتحاد السوفياتي، يواجه هذا الذكر بابتسامة ساخرة وربما تعليق مغرض حول نسخ الروس لتكنولوجيا الغرب. الا ان روسيا السوفياتية كان لديها برنامجها الخاص لتكنولوجيا الكمبيوتر وآباء كمبيوتر خاصين بها ولم يكن البرنامج ولا اولائك الآباء نسخة رخيصة من الغرب. ويعتبر سيرغيه ألكسييفيتش ليبيديف أبا الكمبويتر الروسي.
ولد سيرغيه ليبيديف سنة ١٩٠٢ في بلدة روسية صغيرة. وبعد أربع سنوات على الثورة الروسية، دخل قسم الهندسة الكهربائية في مدرسة موسكو للتقنية العالية حيث تخصص في تقنيات التوتر العالي من خلال العمل على مسألة معقدة وعملية جداً هي تشغيل مولدات عدة بشكل متوازي. وبعد التخرج أصبح أستاذاً وباحثاً في بناء معامل الطاقة وتقنيات خطوط التوتر الكهربائي.
كانت الحاجة الى تنفيذ عمليات حسابية علمية الحافز الأساسي للجهود الأولى لبناء أجهزة كمبيوتر، ولم تحد روسيا عن هذه القاعدة. وكان على ليبيديف حل مجموعة من المعادلات التفاضلية الخطية وغير الخطية مما دفعه للتفكير باستخدام أساليب حسابية ميكانيكية، وذلك بينما كان احد زملائه قد أبدى اهتماماً بالكمبيوترات الميكانيكية بعد اطلاعه على المحلل التفاضلي المتواصل الذي وضعه فانيفار بوش. والحال انه خلال ثلاثينات وأربعينات القرن العشرين، كان معظم عمل الروس في تطوير الكمبيوترات ينصب على الأجهزة المتواصلة (analog).
بعد الحرب العالمية الثانية، عاد ليبيديف الى موسكو وتبوأ مركز رئيس دائرة جديدة لأتمتة الأنظمة الكهربائية في معهد الهندسة الكهربائية. وفي سنة ١٩٤٦ عُين مديراً للأكاديمية الأوكرينية للعلوم ودشن مجموعة من الندوات حول مسائل الحسابات الآلية. في البداية كان التركيز ينصب على الأجهزة المتواصلة، ولكن بدأ اهتمام ليبيديف وزملائه بالاتجاة شيئاً فشيئاً نحو الكمبيوترات الرقمية. وبدأت النقاشات تأخذ منحى أكثر دقة وتم التطرق الى الأفكار الأساسية لتصميم أجهزة الكمبيوتر.
وبحلول منتصف ١٩٤٧، كانوا قد ناقشوا حسنات وسيئات الارقام الثابتة والارقام الحقيقية (الفاصلة العائمة) والتفاضل بين النظامين العشري والثنائي وطول الكلمات وتنسيق الاوامر البرمجية. وكان ليبيديف مقتنعاً ان آلة ثنائىة ذات العناوين الثلاثية تعمل بأرقام الفاصلة العائمة هي المطلوب. ولكن بعض الآخرين اعتقدوا ان آلة ١٧ بت تعمل بالارقام الثابتة كافية لمعظم المسائل الهندسية.
خطط كبيرة
أقام ليبيديف مختبراً سرياً أطلق عليه اسم المختبر رقم ١ للتخطيط والتحكم وبدأ ببناء جهاز إم.إي.إس.إم. (اي Malaia Elektronnaia Schetnaia Mashina) ما يعني «آلة الحساب الالكترونية الصغيرة».
وكانت أكبر مشكلة لديه هي العثور على أشخاص متدربين، فكان يقضي في البداية معظم وقته في تنظيم الندوات حول الالكترونيات ونظرية العد الثنائي ونظرية الكمبيوتر الجديدة وغير المألوفة. وخلال سنتين وصل عدد العاملين في المشروع الى عشرين شخصاً. وانصب معظم النشاط الأولي على تحسين الدارات الالكترونية الضرورية. وقام ليبيديف ول. ن. داتشيفسكي بتحسين القلاب المفصلي الأساسي (flip flop) ولكن ظروف العمل كانت رديئة. فكانا يعملان في مدينة كييف التي مزقتها الحرب والتي كانت تعاني من نقص في كل شيء خاصة السكن. فقد فضل داتشيفسكي العمل من منزله على الطاولة الوحيدة الموضوعة في الغرفة الوحيدة في شقة العائلة. وذكرت زوجته في ما بعد كيف كان يرنم «flip» و«flop» و«flip flop» وهو يعمل على داراته.
وبعد جهد عظيم، تمكن ليبيديف من وضع اليد على دير يبعد ١٥ كيلومتراً عن كييف. فانتقلت المجموعة سنة ١٩٤٩ الى مكان فسيح رغم ظروف العمل البدائية التي يوفرها اذ لم يكن يوجد اي قطعة فرش واقتصرت التدفئة على موقد خشب وحيد. ورغم سعة الدير، لم يخلو وضع الآلة الجديدة فيه من المشاكل. فقد قُدّر حجم آلة إم.إي.إس.إم. بـ٥٠ متراً مربعاً ولم يكن هناك اي غرفة تستطيع استعابها، فلجأ الفريق الى هدم بعض الجدران ونزع الأرضية.
وفي حلول نهاية سنة ١٩٤٩، تم إتمام الاطار الاساسي لآلة إم.إي.إس.إم. وانصب العمل على المكونات الفردية. وفي منتصف ١٩٥٠، تم تركيب المكونات في الاطار وبدأت التجارب. وكالعادة في الآلات الجديدة، ظهرت مشاكل غير متوقعة. والحال عندما نعمل بالصمامات، يكفي ان يكون هناك سلك منحل قليلاً ليتحول الى فخ قاتل. فكان على الفريق ان يثبت درع عزل بين الالكترونيات والاطار الاساسي للآلة لتجنب خسارة مهندسين. على ان اهم مشكلة واجهوها هي رداءة الصمامات الروسية. فقد كانوا يحتاجون الى ٦٠٠٠ صمام وكانت جودة الإنتاج متقلبة لدرجة ان صمامات من النوع نفسه كانت توفر أداءاً مختلفاً بين صمام وآخر. فقد اختبروا مئات الصمامات لبناء قلاب مفصلي واحد وحتى في هذه الحال ترهلت الصمامات بسرعة وبدلت أداءها ومواصفاتها. وكان الحل الآني ان يتم تعتيق الصمامات لثلاثين ساعة قبل استخدامها في بناء القلاب المفصلي.
والمشكلة الثانية كانت في الانابيب التي استغرقت وقتاً طويلاً لتحمى - ساعاتان او اكثر - قبل بدئها بالعمل بشكل سليم. وكان الحل ان تبقى الآلة عاملة ٢٤ ساعة في اليوم.، مما تطلب إقامة حراسة ليلية لتفادي اندلاع النار فيها علماً ان طاقتها تبلغ ٢٥ كيلواط. ففي فصل الشتاء كانت الحرارة الناتجة ثلاثين درجة اما في الصيف فقد بلغت ٤٠ درجة! ووصلت الحرارة الى مستويات اثرت على اداء الآلة مما حتم إيقافها.
في تشرين الثاني ١٩٥٠، أصبحت الآلة جاهزة بما فيه الكفاية لاستخدامها في أول اختبار. ووصف مهندسان عملا على آلة إم.إي.إس.إم. أولى نجاحاتها: «وأخيراً بدأت آلتنا تخطو خطواتها الأولى. وكان الامتحان الاول سؤال وجّه اليها من وحدة التحكم: كم تساوي ٢ ضرب ٢؟ ووسط فرحتنا الكبيرة كانت في معظم الأحيان تجيب: ٤».
وتم عرض إم.إي.إس.إم. على معهد العلوم الأوكراني وتم اعتمادها رسمياً. ولكن حتى قبل التأكد من انها ستعمل بشكل سليم كان ليبيديف يفكر في إدخال تحسينات عليها. وكان من المتوقع ان تبدأ آلة إم.إي.إس.إم. المحسنة بالعمل في أواخر ١٩٥١.

أرض الارتباك
هنا دخلت السياسات المرتبكة والصراعات الداخلية لبيروقراطية الدولة في الصورة. فنظرياً كان من المنطقي ان يمول التخطيط الذي ميز اقتصاد الدولة مشروع مثل إم.إي.إس.إم. والمشاريع اللاحقة، ولكن الامور لم تسري بهذه الطريقة. فتم اقتراح نقل المشروع الى موسكو مما قد يتسبب بتأخيرات في تنفذه هذا فضلاً عن ان دعم المعهد الاوكراني لم يكن متواصلاً. ولا شك ان قلة الحماس التي واجهها المشروع جاءت من عدم ادراك ما يمكن للكمبيوتر الجديد ان يفعله وبماذا يمكنه ان ينفع.
في واخر سنة ١٩٥١، اصبح إم.إي.إس.إم. المحسن جاهزاً للاستخدام في حل مسائل حقيقية. وبلغت سرعته ٥٠ عملية في الثانية وعمل بكلمات ذات النقطة الثابتة طول ١٧ بت ورموز عمليات ذات ثلاثة عناوين بطول ٢٠ بت. واستخدمت الذاكرة الاساسية القلابات المفصلية لتخزين ٣١ قيمة رقمية و٦٣ امر برمجة. وكانت هناك ذاكرة ثانية للقراءة فقط تتمتع بالمواصفات نفسها اضافة الى اسطوانة مغنطيسية سعة ٥٠٠٠ كلمة. واستخدمت سواقة اشرطة سعة ٢٥٠٠٠٠ كلمة للإدخال والإخراج الاساسيين إضافة بالطبع الى قارئ بطاقات مثقوبة. وكان من الواضح ان إم.إي.إس.إم. شكل جهاز كمبيوتر حقيقي يعمل ببرنامج مخزّن وليس مجرد آلة حاسبة ضخمة.
كان إم.إي.إس.إم. المحسن آلة مهمة، فقد آتى علماء رياضيات من كل أنحاء الاتحاد السوفياتي الى كييف لاستخدامه. واستخدم للتطبيقات الباليستية وتقنية الصواريخ وحتى لمسألة ليبيديف الأصلية اي حسابات خطوط التوتر وخاصة حل مجموعة من المعادلات التفاضلية غير الخطية التي كانت تحدد استقرار خطوط التوتر العالي بين محطة كويبيتشيف وموسكو. وتم استخدام إم.إي.إس.إم. من قبل أحد أهم علماء الرياضيات السوفيات - ليابونوف - الذي ابتكر أسلوباً رسمياً للبرمجة وكان أحد أوائل العلماء الذين أيقنوا ان البرمجة كانت علماً قائماً بنفسه. خلال ١٩٥٢ وأوائل ١٩٥٣ كان إم.إي.إس.إم. الكمبيوتر الوحيد الذي يخزن البرامج في الاتحاد السوفياتي.
انتقل ليبيديف الى موسكو في ١٩٥٠ وتبوأ مركز رئيس مجموعة أبحاث الكمبيوتر. وعاد الى تدريب التقنيين الجدد والتحدث معهم عن بي.إي.إس.إم. (Bystrodeistvuisush Electronnaia Schetnaia Mashina او آلة الحساب الالكترونية الفائقة السرعة). وتحول من تدريس الكمبيوترات الرقمية للطلاب الى تجنيدهم في مساعدته على بناء الآلة الجديدة.
بدون منافس
أدى نجاح إم.إي.إس.إم. الى المباشرة بمشروع كمبيوتر ثاني في موسكو لمنافسة آلة ليبيديف بي.إي.إس.إم. ففي نظام السوق تبدو المنافسة شيئاً طبيعياً ولكن في نظام اقتصادي يعتمد على التخطيط مثل النظام السوفياتي، يتحتم على المنافس ان يخضع للتخطيط ايضاً. وفي هذه الحالة كان التنافس سياسياً اكثر منه اقتصادياً. فقد عانى مشروع ليبيديف من شحة الموارد التي استفاد منها المشروع المنافس ستريلا (Strela).
كان من المفترض ان يتم انجاز الآلتين في مطلع سنة ١٩٥٣. وكان تصميم ليبيديف مشابهاً لتصميم إم.إي.إس.إم. اي آلة ذات الارقام العائمة بثلاث عناوين سعة ٣٩ بت. وكان على الذاكرة ان تعتمد على وحدات تخزين تعمل بأنابيب العرض الكاثودي (CRT) سعة ١٠٢٤ كلمة. وكان كل انبوب يخزن ١٠٢٤ بت مما يتطلب ٣٩ أنبوباً. وكما كان متوقعاً فقد كان هناك نقص في الأنابيب كما كان هناك نقص في الصمامات العادية. ولفترة وجيزة تم استيعاب النقص في الصمامات بفكرة ذكية تمثلت باستخدام آلة بي.إي.إس.إم. كمركز اختبار لإنتاج مصنع الصمامات. ولكن لسوء الحظ تمكن مشروع ستريلا من الاستحواذ على مورد أنابيب العرض الكاثودي الوحيد مما جعل بي.إي.إس.إم. يفتقد الى ذاكرة كافية. واضطر ليبيديف الى اعادة تصميم الذاكرة لكي تعمل بخطوط التأخير الزئبقي (mercury delay lines).
في أوائل سنة ١٩٥٣، أضحى بي.إي.إس.إم. جاهزاً للاستخدام ولكن ذاكرة التأخير المزود بها لم تمكنه من تنفيذ اكثر من ١٠٠٠ عملية في الثانية. بينما وصل ستريلا الى تنفيذ ٢٠٠٠ عملية في الثانية ودعم منظومة اوامر ابسط واحتاج الى مساحة تخزين خارجية اقل. غير ان رغم تخزينه الكهرومغناطيسي، كان ستريلا اضغف اداءاً من بي.إي.إس.إم. الذي لم يلق الدعم اللازم بسبب التأثيرات السياسية. وتم تصميم ستريلا لكي يتم انتاجه بالجملة وهذا ما حصل ليصبح اول جهاز كمبيوتر تجاري روسي.
في النهاية تمكن بي.إي.إس.إم. من الحصول على انابيب العرض الكاثودي مما زاد اداءه ليصل الى ٧٠٠٠ و٨٠٠٠ عملية بارقام الفاصلة العائمة في الثانية. الا انه تم تسليم الانابيب في الوقت التي اصبحت فيه قديمة. غير ان تجارب استخدام الذاكرة الحلقية (core memory) اثبتت فاعليتها وتم تزويد بي.إي.إس.إم. بذاكرة حلقية من كيلوبايت واحد سعة ٤٠ بت.
كان بي.إي.إس.إم. آلة قوية للغاية وتم استخدامه للحسابات العلمية الاساسية مثل مدار الكواكب وحتى في المشاريع المتطورة مثل الترجمة الآلية ولعبة الشطرنج. وبالرغم من محدودية حجم الذاكرة ايقن الجميع ان تجربة بي.إي.إس.إم. دشنت عصراً جديداً في المكننة.
بعد بي.إي.إس.إم. جاءت آلة إم. ٢٠ ثم بي.إي.إس.إم. ٢ اللتان تم تصنيعهما تجارياً منذ سنة ١٩٥٩. وبالمقارنة مع الاجهزة التي كانت موجودة في الغرب آنذاك لم تكونان تتمتعان بأداء عال. فقد كانت سرعة جهاز آي.بي.إم. ٧٠٩ مثلاً ضعف سرعتهما وكان يحتوي على ذاكرة حلقية اوسع. وكانت الترانزيستورات والذاكرات الحلقية مستخدمة في الغرب قبل استخدامها بشكل فعلي في الآلات الروسية. وقد يكون السبب الرئيسي هو مشاكل الانتاج في الاتحاد السوفياتي.
يبقى بالطبع ان نتساءل الى اي مدى كانت اعمال ليبيديف ريادية. فقبل الوقت الذي كان يفكر فيه ليبيديف في بناء آلة تخزن فيها البرامج سنة ١٩٤٧، كانت ظهرت منذ ١٩٤٥ مقالات تتحدث عن اينياك وتقارير فون نومان حول ادفاك. غير انه من المستبعد ان يكون ليبيديف قد اطلع على هذه المقالات. وبالتأكيد فإن بناء إم.إي.إس.إم. لم يكن مجرد نقل تخطيطات الآلات الموجودة في الغرب حتى عندما حاول الروس النقل في السنوات اللاحقة حيث ان النتائح لم تنجح بسبب اختلاف المكونات في هذه الآلات.
من الممكن ان يكون ليبيديف قد حصل على معلومات من الاستخبارات السوفياتية وقد يبقى اختراع الكمبيوتر المخزن للبرامج مسألة جدال ولكن عندما خطط الاتحاد السوفياتي للحاق بالتكنولوجيا الغربية بنسخ أجهزة آي.بي.إم. ٣٦٠ عارض ليبيديف هذا التوجه بشدة وكان يعتقد دائماً بأن جهازاً روسي التصميم يبقى الافضل.
لم يجني ليبيديف ثروة كبيرة نتيجة انجازاته لكنه حصل على وسام لينين ... ثلاث مرات.
بطاقة هوية
الاسم: سيرغيه ألكسييفيتش ليبيديف
تاريخ الولادة: ١٩٠٢
تاريخ الوفاة: ١٩٧٤
البلد: روسيا
الاختصاص: الأجهزة
النظرية: هندسة الكمبيوتر
المنتجات: MESM ،BESM ،BESM 2 ،M20
الشركات: لا يوجد
