الصفحة الرئيسية > آباء الكمبيوتر > فانيفار بوش: الرجل الذي أنكر أية مساهمة في تطوير الكمبيوتر

فانيفار بوش: الرجل الذي أنكر أية مساهمة في تطوير الكمبيوتر

بقلم جورج قندلفت

قصة فانيفار بوش (Vannevar Bush) من أغرب قصص تاريخ الكمبيوتر. فمن غيره يمكنه إنكار بإصرار أي فضل له في اختراع الكمبيوتر الرقمي؟ كما قال: «من اخترع الكمبيوتر؟ يمكنني الإجابة حالاً إنه لم يكن أنا وفي الحقيقة لم يكن لي أي دخل في هذا التطوير من أساسه».

قد يعتقد البعض أن هذا الإعلان يكفي لحذف فانيفار بوش من مجموعة «آباء الكمبيوتر»، لكنه في الواقع تدخّل في تطوير الكمبيوتر أكثر بكثير مما يريد الإيحاء به. فقد بنى عدة أجهزة متواصلة (analog) واعترف بها ثم بدأ ببناء أول جهاز رقمي في تاريخ الكمبيوتر لكنه يبدو أنه نسيه كلياً.

اعتبر فانيفار بوش نفسه مخترعاً، فكان يملك حس فطري بكل ما يتعلق بالآلات الميكانيكية. وفي سنوات الدراسة الأولى في الجامعة، قام بتصميم جهاز مدهش لقياس مستويات الأرض. فكان يكفي دحرجة هذا الجهاز على قطعة أرض لينتج رسماً بياياً للتغيرات في الارتفاع. ومع أن الجهاز كان ميكينيكياً خالصاً إلا أنه كان يحتوي على وحدة تكاملية (integrator)، وهي الجزء الأساسي الضروري لبناء جهاز كمبيوتر متواصل. وكان هذا الجهاز مدهشاً لدرجة أن بوش نال من جراء تصميمه براءة اختراع عام ١٩١٢ وأول شهاداته الجامعية. ثم انتقل لتحضير شهادة الدكتوراه في معهد ماساشوستس للكنولوجيا وجامعة هارفارد.

ورغم أنه كان يهوى الهندسة الميكانيكية، فقد اختار تخصصاً جديداً في تلك الأيام هو الهندسة الكهربائية. وبعد تأليف كتاب مدرسي حول التحليل الرياضي للدارات، قام بتدريس مقرر نال من الشعبية لدرجة أنه اضطر لتوظيف محاضرين إضافيين يعاوناه في التدريس. واكتشف في ما بعد أن معرفة هؤلاء المحاضرين لموضوع الدرس أعمق من معرفته هو فسلمهم المقرر بكامله ومعه مهمة تأليف كتاب جديد حوله. وكان بوش يشعر أنه من المفيد دائماً تسليم العمل إلى جيل الشباب ويعود ذلك إلى طبيعته التي كانت تدفعه دائماً إلى الاعتراف بما يحققه الآخرون والاسراع في تسليمهم المسؤولية التي يستأهلونها، مما قد يفسر لماذا أنكر بسرعة أية مسؤولية له في اختراع الكمبيوتر الرقمي.

وهناك زاوية أخرى مهمة من طبيعة بوش وهي ولعه في اللعب بكل ما هو آلة وكان يعتبر نفسه مخترعاً، أو بالأحرى مخترع حر ومتخلّص من حواجز تصنيف مواضيع الاختراعات ومجالاتها. ففي فترة لاحقة من حياته، تسلم إدارة مختبر أبحاث في الأدوية رغم أنه كان غريباً عن حقل الكيمياء. كان يتمتع باعتقاد راسخ بأن الذكاء والقدرة على حل المشاكل يمكنهما فعل العجائب في عالم كثر فيه التجزيء التخصصي. فقد قاد سيارة على البخار لعدة سنوات وتمكن من معرفة كيفية عملها. ففي أحد الأيام، فاض فيها الماء وشب فيها الحريق، فجلس على قارعة الطريق ينتظر بصبر انطفاء النار. وإذ بشرطي مرور يظهر ويقول له إنه إذا كان يريد إحراق سيارته، هناك مكبّ للنفايات ليس بالبعيد يمكنه أخذ السيارة إليه. فشرح له بوش دون إقناعه، أن المسألة لا تتعدى الانتظار بعض الوقت لتُحل. وأخيراً عندما انطفأ النار، وأمام الشرطي الذي اعتراه الذهول، ركب سيارته ومضى معتمداً على البخار الذي تجمع من جراء الحريق.

المحلل التفاضلي الذي اعتُبر أول «آلة تفكّر».

وعمل بوش في جنرال إلكتريك لفترة لكنه ما لبث أن عاد إلى معهد ماساشوستس للكنولوجيا ليتسلم منصب أستاذ في الهندسة الكهربائية قبل أن تتم ترقيته ليصبح عميد الكلية.

وكان الدافع لأول خطواته في عالم الكمبيوتر الحاجة لحل معادلات ـ لا سيما الناحية التكرارية فيها والتي كانت السبب في تطور الكمبيوتر. وأراد بوش حل معادلات تتعلق بالإرسال عبر أسلاك الطاقة وكانت معادلات تفاضلية يستغرق حلها أشهراً عدة. واقتنع بوش أن الوسيلة الأسرع لحل تلك المعادلات تكمن في استخدام كومبيوتر متواصل مما دفع بقسم الهندسة الكهربائية في معهد ماساشوستس للكنولوجيا إلى العمل على هذا المشروع لفترة قاربت العشرين عاماً.

وكان بوش قد قدّم هذا الاقتراح للمرة الأولى سنة ١٩٢٥، فقام طلابه بالعمل على هذا المشروع. وتعاون معهم لإنتاج جهاز ضرب ودمج كهرو-ميكانيكي. وبحلول سنة ١٩٢٨، صار لديهم جهاز بسيط لكنه يعمل، مبرهناً أن المشروع ممكن وليس مستحيلاً. وتلقى بوش الكثير من المساعدة والاقتراحات من طلابه ويبدو جلياً أن هذا الجهاز كان اختراعاً مشتركاً بينه وبينهم. ولكن مما لا شك فيه أن هذا الجهاز ما كان ليعمل لولا إدارة بوش للمشروع اذ كان يحاول في كل خطوة من التصميم استبدال قطعة ميكانيكية بأخرى كهرو-ميكانيكية.

وفي نهاية سنة ١٩٢٨، كان بوش قد حصل على قدر كاف من الاعتمادات لبناء جهاز أكبر. وكان هذا الجهاز كبيراً، يعادل حجمه تقريباً حجم جهاز رقمي. وكان يحتوي على آليات موازرة تجعل من المكونات الميكانيكية أكثر دقة.

ومع أننا نعتبر اليوم هذا المحلل التفاضلي كأداة لحساب الأرقام من صنف شديد التخصص، إلا أنه في ذلك الوقت استُقبل على أنه أول «آلة تفكر». ونشرت صحيفة نيويورك تايمز حينها مقالاً بعنوان: «الآلة المفكرة تتعاطى الرياضيات العالية المستوى».

عداد حلقات عشرية لآلة الحساب السريع ولا نعرف الكثير عن هذه الآلة.

وفي سنة ١٩٣٦، قدم بوش دراسة إلى جمعية الرياضيات الأميركية، عنوانها «التحليل الذرائعي»، حيث ناقش أعمال شارلز باباج ومحاولاته بناء آلة التحليل. واعتقد بوش أنه إذا أخذ بضعة آلات لثقب البطاقات من صنع آي.بي.إم. ووصلها ببعضها تحت إشراف وحدة برمجة مركزية، يمكنه بناء آلة تشبه آلة باباج. ومن الواضح هنا أن بوش كان قد استوعب كلياً أعمال باباج وأفكاره حول البرمجة.

بعد ذلك بقليل، باشر بوش العمل على آلة إلكترونية رقمية اسمها آلة الحساب السريع (Rapid Arithmetic Machine). وهناك أدلة على توثيقه تصميم هذه الألة في مجموعة من الدراسات التي كتبها بين ١٩٣٧ و١٩٣٨، ولكن لم يتم العثور على هذه الدراسات قط. وكانت هذه الآلة تعتمد التخزين على أشرطة ورقية. فاستخدمت ثلاثة أشرطة، واحد للبيانات والثاني للبرنامج، أما الثالث، فلعب دور نوع من الذاكرة الثابتة (للقراءة فقط أو Rom). وكانت تتم قراءة شريط البرنامج بشكل متكرر لتنفيذ العمليات على كل وحدة بيانات في شريط البيانات.

كان من الصعب معرفة كيفية عمل هذه الآلة لعدم توافر المعلومات حولها. ولو تم إنجاز الآلة، لظهرت الحاجة إلى بعض الوظائف الضرورية مثل العنونة الرقمية التي لولاها لما تمكنت الآلة من حل المسائل الفعلية.

كانت كل السجلات ووحدات الحساب والمنطق إلكترونية وبُنيت باستخدام الصمامات. لكن من الصعب التأكد من حجم ما بُني من الآلة، إلا أنهم لا شك، بنوا وحدات تدل على التصاميم الضرورية لبناء جهاز كمبيوتر كامل. كان التصميم يعتمد النظام العشري واستخدمت العدادات والسجلات حلقات تخزين تعمل بعشر حالات. فلتخزين بت واحدة في آلة ثنائية نحتاج إلى حالتين، أما لتخزين رقم في آلة عشرية فنحتاج إلى حلقة مكونة من عشرة صمامات تشتعل وتنطفئ بالتسلسل من صفر إلى ٩.

في ١٩٤٠، قدر بوش أن هذه الآلة يمكنها ضرب عددين من ستة أرقام بما يقارب الثانيتين والعمل بسرعة تبلغ ٠٫٠١ ميغاهيرتز. وأمضى فريق التصميم فترة طويلة من الوقت في محاولة إنتاج صمامات تعبأ بالغاز للتقليل من عدد المكونات ثم، فجأة، توقف العمل. كان السبب أن الفريق تم تجنيده للعمل على القنبلة الذرية.

وخلال الحرب، ترأس بوش لجنة الأبحاث في الأمن الوطني (National Defence Research committee). وكانت هذه الهيئة تدير عمل ٣٠٠٠٠ خبير في مشاريع أبحاث منها البسيط ومنها تطوير القنبلة الذرية. ويبدو من ذلك أن بوش كان يظن أن العمل على القنبلة أهم من بناء آلة الحساب السريع.

رسم لآلة ميمكس المقترحة يظهر كيف يستخدم الميكروفيلم للبحث عن المعلومات بفاعلية.

وظلت آلة بوش منسية إلى أن نشبت حرب ضروس بين شركتي يونيفاك وهونيويل حول براءة اختراع جهاز إينياك (ENIAC)، فأعيد اكتشافها. والغريب أن بوش قلل كثيراً من أهمية مساهماته في حقل الكمبيوتر لدرجة أن الحكم النهائي في قضية إينياك لم ىأتي على ذكر آلته بتاتاً. بعد الحرب، لم يعد بوش إلى مجال تطوير الكمبيوتر مما أفقد معهد مساشوستس للتكنولوجيا مركز الريادة في هذه الصناعة الحديثة. ولكن لم تكن آلة الحساب السريع مساهمة بوش الوحيدة في هذه الصناعة.

ففي عام ١٩٤٥، نشر مقالاً عنوانه «كما يمكن أن نفكر»، يصف فيه جهاز ميمكس (Memex) وهو آلة تخزن المعلومات وتسترجعها باستخدام شرائح المايكروفيلم ووظيفتها تحسين الذاكرة البشرية بالسماح للمستخدم بتخزين مستندات تجمعها صلات ترابطية. فالمدهش في هذا الجهاز أنه كان يستخدم ما نسميه اليوم روابط هايبرتكست (المستخدمة في صفحات النسيج العالمي) لإنشاء مسار المعلومات. فبربط مجموعات من المعلومات ببعضها، يمكن للباحث ان يبتكر أساليب جديدة لعرضها واسترجاعها والعمل عليها. ولم يكن جهاز ميمكس مجرد أضغاث أحلام، فكان بوش يملك فكرة واضحة جداً حول كيفية بنائه. وكانت المشكلتان الوحيدتان اللتان تعترضان هذا البناء هما جعله يعمل بسرعة كافية ليصبح مقبولاً وبالطبع الصعوبات المتعلقة باستخدام الأفلام الفوتوغرافية كوسيط تخزين. حتى إنه بدأ ببناء آلة تُعتبر خطوة مهمة نحو إنتاج ميمكس، عُرفت بإسم آلة الاختيار السريع (Rapid Selector Machine - يبدو أن بوش كان يحب كلمة «سريع») وتمكنت من البحث في الأفلام عن صفحات تحمل رمز فهرس محدد.

واعتقد الناس حينها أن هذه الآلة لم تُنجز أبداً - آلة أخرى أهملها بوش - ولكن بعد مرور سنوات عديدة، اتضح أن المعلومات عنها كانت محظورة. فقد تم استخدام آلة الاختيار السريع في مشروع سري للغاية في وكالات كسر الشيفرة. وقد يفسّر ذلك لماذا لا نعرف الكثير عن آلة الحساب السريع، مع أنه لا يوجد أي سبب لإبقاء مثل هذا الكمبيوتر المبكر سرياً لوقت طويل. والأرجح أن بوش أهمل مشاريعه لأنه فقد الاهتمام بها وانشغل بأمور أخرى. ومن المؤكد أنه بنى جهاز كسر شيفرة لحساب البحرية الأميركية التي استخدمته لكسر الشيفرة اليابانية ولكن لا يُعرف الكثير عن الموضوع. وقد يكون هذا الجهاز نسخة من آلة الحساب السريع كما قد يكون آلة مختلفة تعتمد على الهندسة الكهرو-ميكانيكية.

وتقاعد بوش عام ١٩٥٥ وعاد إلى منزله القديم في كيمبريدج في ولاية ماساشوستس. وقال إنه من غير الجائز التشبث بمركزه وحرمان من سيخلفه منه. ولا يتذكر الجمهور الأميركي بوش إلا لعلاقته بالقنبلة الذرية وليس كرائد من رواد الكمبيوتر. ومن المحتمل أن يكون هو نفسه قد أعطى أهمية لإنجازاته الهندسية أكثر من مساهماته «الكمبيوترية». فقد صمم محركاً حرارياً وعمل على القوارب المغلفة برقيقات مائية وحسّن من المحركات البخارية وأجهزة الجايروسكوب والأساليب المبتكرة لتلوين الصور وأشياء أخرى عديدة.

ومع مرور السنين، جمع بوش عدداً مدهشاً من براءات الاختراع كما دخل في مجالس إدارة عدد كبير من الشركات الشهيرة وعمل كمستشار لعدد أكبر منها.

وبرأينا أن أهم ما بقي من عمله يتعلق بالكمبيوتر رغم زعمه أن لا علاقة له بهذا المجال. وأكثر من هذا نعتبره من آباء النسيج العالمي بفضل مقاله عن ميمكس مع أنه لم يعش ليرى أن هذا النسيج هو نوع من تطبيق لميمكس. والحال أن تد نلسون، الذي قام في ما بعد بأبحاث ريادية على روابط هايبرتكست أقر أنه تأثر كثيراً بعمل بوش.


بطاقة هوية:

الاسم: فانيفار بوش
تاريخ الولادة: ١٨٩٠
تاريخ الوفاة: ١٩٧٤
البلد: الولايات المتحدة
الاختصاص: مخترع
النظرية: ميمكس، سلف هايبرتكست
المنتجات: آلة تحليل الفرق وبداية أول كمبيوتر رقمي
الشركات: العديد منها

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.