الصفحة الرئيسية > مجلة أبل في العالم العربي > المجلد الثاني - العدد العشرون - نيسان ١٩٩٣ > ماكنتوش أو وندوز !
ماكنتوش أو وندوز !
بقلم
محمد صابر يعبر خطوط العدو في المعركة بين ماكنتوش ووندوز ويطلق هجوماً كاسحاً.

ناداني رئيس تحرير مجلة «أپل» ذات يوم ووضعني أمام كمبيوتر شخصي متوافق مع «آي.بي.إم.» يحتوي على معالج «إنتل ٤٨٦» وقال لي: «جرب هذا الجهاز وخذ وقتك ثم أعطني إنطباعاتك».
كانت هذه هي المرة الثانية التي أجلس فيها أمام هذا النوع من الأجهزة، ففي المرة الأولى تعاملت مع الكمبيوتر الشخصي لفترة قصيرة جداً، وكان أقوى جهاز يعادل ما يسمى اليوم كمبيوترر ٢٨٦ وكان يطلق عليه إسم «إيه.تي.» وكان يعمل مع نظام دوس (الإصدار ٣٫٣) ولم يكن نظام وندوز قد استحوذ على الشهرة التي يعرفها اليوم (كان ذلك سنة ١٩٨٦). ووجدت حينها أنه من أجل العمل بشكل صحيح على هذه الأجهزة، يجب على المستخدم أن يعرف ما هو الكمبيوتر وأن يكون لديه فكرة عن هندستها الداخلية كما كان يتحتم عليه التمرس في نظام دوس لكي يتمكن من إدخال الأوامر التي يريد لها التنفيذ. وبما أنني كنت جديداً في العمل على الكمبيوتر وليس لدي الوقت ولا الرغبة في تعلم نظام تشغيل كامل ولا أي مشروع لأن أكون مبرمجاً، عدلت عن إستخدام هذا الجهاز وانتقلت إلى جهاز ماكنتوش. ووجدت أن هذا الأخير لا يحتاج مني إلى أية خبرة مسبقة ولا يرغمني على تعلم نظام تشغيله وكل ما يطلب مني هو أن أدخل فيه فوراً ما أحتاجه أن ينفذ.
وسألت رئيس التحرير لماذا اختارني أنا رغم عدم معرفتي بالكمبيوتر الشخصي، فأجاب أنه يريد إنطباعات عفوية صادرة عن شخص لم يجرب هذا الجهاز وأسلوب إستخدامه من قبل.
وعندما جلست للمرة الثانية أمام الكمبيوتر الشخصي، لم أتأثر بذكرياتي المؤلمة الماضية معه لأنه في هذا الوقت أصبح يعمل تحت نظام وندوز الذي اشتهر عنه أنه يسهّل إستخدام الكمبيوتر الشخصي بشكل كبير.
وبعد العمل على هذا الجهاز وهذا النظام لفترة لا تقل عن أسبوعين، أستطيع أن أعبر لقراء مجلة «أپل» عن الإنطباعات التي خرجت بها والتي يمكن إختصارها بعبارة واحدة: أ و و ا ا ه ه!
هذه عبارة مركبة مكونة من العناصر الآتية:
أ و - بادئة تدل على الإزدراء.
و ا - حشو يعني «لا بد أنهم يمزحون».
ا ه ه - لاحقة عاجلة تعني «دعوني أخرج من هنا».

فبدلاً من لمسة ناعمة على مفتاح التشغيل تكشف سلسلة من رموز بدء التشغيل يتبعها الباحث بكل جاذبيته في جهاز ماكنتوش، يتبع ضغطة متلعثمة على زر قبيح (يوجد في كثير من الأحيان في مؤخرة الجهاز حيث لا يمكن الوصول إليه إلا بصعوبة واضحة) هدير طائرة نفاثة تختبر محركاتها، وبعد فترة من التموجات المترجرجة والومضات المرعبة، يظهر مؤشر إدخال دوس في أعلى شاشة سوداء.
أدخلت كلمة (win) وبعد مزيد من الومضات، ظهر لي عرض شاحب يذكرني ببيئة تخطيطية (Graphical User Interface) كنت قد شاهدتها على أحد أجهزة «أتاري إس.تي.» الأولى (ويعود ذلك إلى حوالي ست سنوات).

أرجو أن يصحح لي القراء إذا أخطأت، ولكن أتصور أن نظام وندوز يتم تشغيله فوق غلاف دوس (Dos Shell) الذي يقيم فوق نظام دوس نفسه الذي بدوره يتم تشغيله بواسطة وحدة الإدخال والإخراج الأساسية (Bios) - إستقيت بعض هذه المعلومات من رئيس تحرير المجلة - ويظهر أن هذا الترتيب هو عكس الترتيب الذي تظهر به الأشياء عند تشغيل الجهاز.
أي بعبارة أخرى، نحن أمام أربع طبقات من أنظمة التشغيل بينما تكفي ماكنتوش طبقتان (أو بالأحرى ثلاث إذا حسبنا ما يوجد في ذاكرة روم الثابتة).
لهذا السبب ربما، أستطيع أن أشغل جهاز ماكنتوش وأفتح برنامج تنسيق نصوص وأكتب رسالة لرئيس التحرير أتذمر فيها على هذه المهمة التي كلفني بها وأحفظ الرسالة وأبدأ بطباعتها قبل أن يصل مستخدم وندوز إلى الطبقة التي قيل له أنها سطح مكتبه.
مسألة تعامل مع المستخدم
هناك بعد ذلك أسلوب التعامل مع المستخدم في وندوز. فمن الواضح أن شركة «ميكروسوفت» وشركات نشر برامج عديدة، تستخدم مهندسي برمجة قادرين على تقليد أو حتى تخطي أسلوب التعامل مع المستخدم الذي يميز ماكنتوش (وفي جميع الأحوال، فكثير من هؤلاء المهندسين عمل لدى «أپل» في السابق). ولكن المسألة كانت دائماً أنه إذا حاول أحد المنافسين الإقتراب من أسلوب ماكنتوش، تهب «أپل» إلى مقاضاته حتى يدفع آخر مليم لديه. فالهدف إذاً هو محاولة الإقتراب قدر الإمكان إلى أسلوب تعامل ماكنتوش دون أن يتعرض لغضب «أپل». ولكن في جميع الأحوال، ومن الناحية التقنية كذلك، لا يمكن الإقتراب كثيراً من أسلوب ماكنتوش لأن جزءاً كبيراً من هذا الأسلوب مثبت في الجهاز على شكل ذاكرة روم ثابتة لا تتوفر في الأجهزة الداعمة لنظام دوس.
وبما أن هناك معايير واضحة لتطوير بيئة تخطيطية وأن «أپل» إستخدمتها لبيئة ماكنتوش (على الأقل حتى يأتي أحد بمعايير مختلفة للوصول إلى نتائج أفضل)، فإن منافسي «أپل» في مجال البيئة التخطيطية مرغمون على اعتماد البدائل الأقل تطوراً ليتمكنوا من تفادي دعاوى «أپل».
لنأخذ مثلاً الطريقة المعتمدة في البيئات التخطيطية لتكبير الإطارات كي تصبح بمساحة الشاشة ومن ثم إعادتها إلى حجمها وموقعها السابقين. ففي جميع التطبيقات الداعمة لنظام ماكنتوش، يأخذ الوصول إلى هذه الوظيفة شكل «خانة التكبير» الموجودة في أعلى يمين جميع الإطارات. فإذا تم النقر عليها مرة واحدة، يكبر الإطار ليملأ الشاشة. ولدى النقر عليها مرة أخرة، يعود الإطار إلى حجمه وموقعه السابقين.
أما في وندوز، فهناك زرين إثنين لتنفيذ الوظيفة نفسها، يحمل أحد الزران رمز سهم موجه إلى الأعلى والآخر رمز سهم موجه إلى الأسفل. ولا يشكل ذلك وسيلة غير أنيقة ومبذرة للموارد فحسب بل تفتقر الأسهم إلى غنى رموز الرسوم التخطيطية. فالأسهم المتجهة إلى الأعلى وإلى الأسفل تدل على حركة عمودية تدخل في وظائف أخرى كأشرطة التحريك داخل الإطارات (والتي اعتمدتها «ميكروسوفت» في وندوز رغم خطر مواجهة دعاوى «أپل»)، ولا تدل على التكبير والتصغير لتجنب سخط «أپل».
ورغم أن هذه الأسهم، في النهاية، تؤدي الوظيفة نفسها التي تؤديها خانة التكبير في ماكنتوش، إلا أنها لا تعطي الإنطباع نفسه للمستخدم. وبالتالي فيشكل ذلك نوع من التدبير البعيد عن البديهة والمتكرر في جميع الوظائف التي يوفرها وندوز.
مسألة تكبير وتصغير


في نظام تشغيل ماكنتوش، تظهر الإطارات مزودة بخانة صغيرة تعرض صورة إطار صغير فوق إطار أكبر. ولدى النقر على هذه الخانة، تعمل كمفتاح مفصلي بين تكبير الإطار وتصغيره.
أما في وندوز، فتظهر الإطارات مزودة بزرين يعرض كل منهما سهم باتجاه معاكس للآخر، الأول متجه للأعلى والثاني للأسفل. وإذا تم النقر عليهم لا تحدث أية حركة عمودية نحو الأعلى أو الأسفل، بل يقومان بتكبير أو تصغير الإطار.
فأي رسم من هذين الرسمين إذاً يمثل إبتكاراً جيداً يعتبر تسهيلاً في أسلوب التعامل مع المستخدم، وأي رسم وجد لتضليل هذا المستخدم والضحك على ذقنه؟
مسألة قوائم
هناك كذلك قضية إنسدال القوائم وطريقة عملها.
ففي نظام ماكنتوش، يكفي المستخدم أن ينقر مرة واحدة على إسم القائمة ويسحب المؤشر للوصول إلى الأمر الذي يريد ثم يحرر زر الماوس لتنفيذ هذا الأمر.
في المقابل، يجب على مستخدم وندوز أن ينقر مرة أولى على إسم القائمة لتنسدل وتظل منسدلة، فينقر مرة أخرى على الأمر الذي يريد لتنفيذه. ونحصل بالتالي على نقرتين من الماوس في وندوز مقابل نقرة واحدة في ماكنتوش مما يشكل ضعف العمل المطلوب في النظام الأخير.
قد يكون ذلك عائد إلى نوع الماوس المستخدمة في الكمبيوتر الشخصي والتي تملك زرين وأحياناً ثلاثة أزرار. ويمكن تفهم منطق وجود ثلاثة أزرار بدلاً من زر واحد إذا كانت هناك مهمات معينة للزرين الباقيين. ومن الممكن أن أكون قد مررت على أشياء لم أرها، ولكني لم أجد أن هذين الزرين الإضافيين يلعبان أي دور يذكر في أية معالجات تتم على وندوز (أللهم إلا في لعبة كاسح الألغام التي تأتي عادة مع وندوز، حيث يستخدم الزر الأيمن للإشارة إلى المربعات التي تحتوي على ألغام). فمعظم المعالجات تتم من خلال زر واحد (الأيسر) فلماذا الزرين الآخرين إذاً؟

مسألة جهاز
تنحصر بقية ملاحظاتي في أجهزة الكمبيوتر الشخصية نفسها.
فقد استخدمت من أجل هذا الإستعراض جهاز مزود ببروسسور «إنتل ٤٨٦» سرعة ٣٣ ميجاهيرتز يعتبر عالي الأداء فضلاً عن جودة طرازه. وكنت أود أن أصف مكونات الجهاز بتفصيل أكبر لو أن العرض على الشاشة يتيح لي الوقت الكافي لقراءة لائحة هذه المكونات التي تمر بسرعة البرق عند تشغيل الجهاز. (هل هناك من يمكنه إعلامي بطريقة توقف جريان هذه اللائحة؟).
هناك في مقدمة الجهاز زر يحمل إسم «توربو» (turbo - مثل محركات السيارات القوية) فقمت بضغطه وأنا أتوقع أن يثب الجهاز من مكانه، ولكني لم أستطع ملاحظة أي تغيير في الأداء. فمن واجب الأزرار المسماة «توربو» أن تقوم بتسريع الأداء، غير أن الجهاز لا يزال يبدو بطيئاً جداً بالنسبة لي (في العمل مع وندوز بالطبع).
وفي ما يتعلق بالشاشة، فهي من نوع «في.جي.إيه.» (Video Graphics Adaptor) وتوفر عرضاً واضحاً ومضيئاً بما فيه الكفاية، غير أنها محدبة إلى درجة لا تحتمل (في الحقيقة، قيل لي أن هناك شاشات مسطحة) جاعلة العناصر المعروضة تبدو ضخمة للغاية مقارنة بالعناصر المعروضة على شاشة ماكنتوش. وبالتالي تحتل الأزرار وأشرطة التحريك مساحات كبيرة جداً بالنسبة لباقي مساحة الشاشة التي تبدو بدورها صغيرة جداً للإستخدامات العادية.
أما لوحة المفاتيح، فملمسها خشن بخلاف نعومة مفاتيح لوحة ماكنتوش. ومحرك الأقراص، فحدث ولا حرج. فتشبه هندسته مزلاج الباب ويصدر عنه الصوت نفسه (قبل تزييته المزلاج) لدى إدخال القرص. مما يتطلب ضعف العناء الذي يتطلبه محرك ماكنتوش لإدخال وإخراج القرص. وحتى عندما تكون الأقراص بداخله، لا يحصل شيء على الشاشة، ويجب إدخال أمر معين (كالنقر على رمز المحرك مثلاً) لينتبه الجهاز إلى وجود قرص بداخله. وبعد إدخال الأمر لا يمكن فهم محتوى القرص. فما معنى مثلاً، عبارات (EXE) و(COM) وغيرها من لاحقات أسماء الملفات وهل عرضها على الشاشة ضروري؟
يبدو أن هذه اللاحقات ضرورية ليتم تشغيل البرامج وأنها من شروط إدارة الملفات في نظام دوس. ولكن من المفترض أن وندوز يحل مكان دوس ليسهّل العمل على المستخدم التعس ويعيد الإبتسامة إلى ثغره. فهل هذا ما يسمونه تسهيل العمل أم أنه «ترقيع»؟

يقال أن ٢٠ مليون شخص (عدد مستخدمي وندوز حسب تقديري) لا يمكن أن يخطئوا. وأقول أنا أن ١٥ مليون شخص مخطئون حتماً لأني أستثني أصحاب الكمبيوترات الشخصية الذين اقتنوا نظام وندوز لأنه يحسّن لهم وضعهم السابق الغارق في البؤس من جراء إستخدام نظام دوس. ولكني لا أرى أي عذر لهؤلاء الذين اقتنوا جهاز كمبيوتر شخصي متوافق مع «آي.بي.إم.» بحجة أنهم أعجبوا بنظام وندوز. فبصفته نظام مبني على الرسوم التخطيطية يتخلف حوالي مائة سنة عن نظام ماكنتوش وذلك على جميع الأصعدة التي يمكنني أن أتصورها.

الأجزاء الأخرى:
– تعامل النظام مع الجهاز
– لاحقات الملفات والطباعة في وندوز
– سطح المكتب في ماكنتوش ووندوز
– التوسيع بين ماكنتوش والكمبيوتر الشخصي
