الصفحة الرئيسية > آباء الكمبيوتر > هاورد أيكن: رجل العلامة الميكانيكية
هاورد أيكن: رجل العلامة الميكانيكية
بقلم
لا يزال عصر الكمبيوترات الميكانيكية والكهرو-ميكانيكية قريباً منا لنعتبره ضمن التاريخ الحديث. الا ان فكرة جهاز كمبيوتر مكوّن من قطع ميكانيكية تبدو اليوم وعلى ضوء التطور التكنوبوجي الحديث كأنها آتية من القرن التاسع عشر او حدث ظهر خلال الثورة الصناعية الأولى. فتعتبر الأجهزة الميكانيكية ديناصورات تاريخ الكمبيوتر بأحجامها الضخمة وبمستوى ذكاء أقل من حاسبة جيب صغيرة. وحتى عندما تم أنجاز هذه الأجهزة، ولدت قديمة! ولكنها كانت أول كمبيوترات يمكن برمجتها وفتحت الطريق امام الكمبيوترات الحديثة التي نعرفها اليوم.
ولا شك ان أضخم كمبيوتر والأكثر إثارة للجدل هو «مارك ١» (Mark I) وبانيه هاورد إيكن (Howard Aiken).
قصة هاورد أيكن وبنائه لأول كمبيوتر مبرمج غريبة جداً. فقد ولد في نيو جيرسي في الولايات المتحدة في أسرة مستورة مما دفع بأيكن الى العمل الشاق 12 ساعة في اليوم في شركة الإنارة والتدفئة في إنديانابوليس خلال دراسته. ومكنه عمله في شركة الغاز والكهرباء من الدخول الى الجامعة حيث درس الهندسة وتخرج سنة ١٩٢٣ وبقي يعمل في الشركة كمهندس يبني محطات توليد الكهرباء.
الا انه بعد عشر سنوات من العمل في الهندسة اكتشف أيكن أمراً مذهلاً: لقد درس للحصول على الشهادة الخطأ! فقد كان يرغب ان يصبح عالم رياضيات او اذا لم ينجح في ذلك فعالم فيزياء. فقام بالتسجيل لسنة واحدة في جامعة شيكاغو ثم انتقل الى هارفارد حيث حصل أخيراً على شهادة في الفيزياء ثم دوكتوراه في الفيزياء وكان قد بلغ ٣٩ عاماً.
ولم يظهر اهتمام أيكن في الكمبيوتر كفكرة مجردة او فلسفية، فقد اتى هذا الاهتمام من الحاجة الى حل مسائل رياضية. ومثله مثل العديد من رواد الكمبيوتر الأوائل كان منزعجاً جداً من الوقت المهدور الذي كان يستغرق حل الحسابات الرقمية. وكان موضوع أطروحته الفضاء المشحون وهو جانب مهم من عمل الصمامات لكن المشكلة كانت انه للحصول على نتائج فعلية كان عليه حل معادلات تفاضلية غير خطية. ففي أطروحته علّق على مقدار العمل المطلوب لحل حتى عدد صغير من الحالات، فكيف بالوصول الى نتيجة مرضية لكامل المسألة. فبدأ التفكير في بناء حاسبته الخاصة.
فكانت الحاجة لحاسبة تقوم بحل مسائل حسابية محددة حافز مشترك بين الرواد الأوائل، لكن خلافاً للباقين، كان أيكن قد اطلع على أعمال باباج. فالعديد من الرواد الأوائل زعموا أنهم أعادوا اختراع الكثير من أفكار باباج الا ان أيكن اعترف بأن باباج كان له تأثير كبير على أفكاره.
بعد الحصول على شهادة الدوكتوراه، قام بتعليم الرياضيات في جامعة هارفارد وحاول إقناع أحدهم بالاهتمام ببناء جهازه. ففكر باستخدام وحدات كمبيوتر موجودة والعثور على طريقة يمكنه جعلها تعمل جميعاً لهدف واحد. والى هنا لم تكن هذه الفكرة الا... فكرة ولكنها كانت تبدو متطورة جداً.
وعندما اتصل بشركة «إن.سي.آر.» كان قد فكر باستخدام أجهزتها إضافة الى الإلكترونيات من «آر.سي.إيه.» وأدوات جدولة «آي.بي.إم». ولكن في البداية لم يبد أحد اي اهتمام ببناء جهاز أيكن. فكلهم أقروا ان الفكرة جيدة ولكن أحداً لم يكن مستعداً لاستثمار المال في هكذا مشروع. وذهب رئيس هارفارد أبعد من ذلك فحذر أيكن أنه يخاطر بمستقبله اذا اصر على هذه الفكرة العجيبة.
اللقاء
ثم جاء اللقاء بين أيكن وتوماس واتسن سينيور. فقد كانت جامعة هافارد عزيزة على قلب أول رئيس لشركة «آي.بي.إم» منذ ان تعرف على العالم التربوي الدكتور وود. وقدم واتسن الى هارفارد الكثير من الأجهزة والعديد من التقنيين لتشغيلها. فمكتب الحسابات الفلكية في الجامعة كان يستخدم جهاز «آي.بي.إم. ٦٠١» وهذا الجهاز شكل الرابط بين أيكن و«آي.بي.إم.». وكان عالم الفلك هاورد سيبلي يعرف أيكن واقترح عليه التواصل مع «آي.بي.إم.» لمساعدته في مشروعه.
ولكن أيكن لم يكن متحمساً لإقامة علاقة مع «آي.بي.إم.» وبالأخص مع واتسن ولكن غياب الداعمين له اضطره للتقرب من بعض أفضل التقنيين في «آي.بي.إم.». وتحدث خصوصاً مع جيمس دبليو برايس الذي كان قد اخترع العديد من الآلات الحاسبة من عدادات ووحدات ضرب وقسمة وكلها ممكننة.
ودخلت كل هذه الوحدات في الآلة التي كان أيكن ينوي بناءها بمساعدة «آي.بي.إم.». فقد مولت «آي.بي.إم.» جهاز مارك ١ - واسمه الكامل Automatic Sequence Controlled Calculator (ASCC) Mark I - بتوصية من واتسن وبلغ التمويل خمسة ملايين دولار. وتحمس جيمس برايس لهذا المشروع لدرجة انه فصّله لواتسن نيابة عن أيكن مما دفع بواتسن لأخذ قرار التمويل في لحظتها. وتم تعيين مهندسين من «آي.بي.إم.» لبناء الجهاز في معمل «آي.بي.إم.» في أنديكوت. وأمضى أيكن فصلي صيف في المعمل قبل استدعائه كضابط برتبة رائد الى البحرية لأن الحرب أهم من بناء جهاز كمبيوتر.
أمضى أيكن معظم سني الحرب برفقة جهاز مارك ١ ولكن حادثة مبكرة خلال الحرب أعطت فكرة عن شخصيته. ففي مدرسة الألغام البرية، طُلب منه التعامل مع طوربيد رسى على الشاطئ. وعندما تم تحديد مكان الطوربيد، كان أيكن الضابط الأعلى رتبة فشعر ان عليه هو تفكيك القذيفة. وبما ان هذا الطوربيد كان الأول من نوعه الذي يتم العثور عليه في الولايات المتحدة، لم يكن لدى أيكن اي فكرة عن كيفية تفكيكه. وبمجرد ان فكّ لوحة معدنية على سطح الطوربيد إنطلق هذا الأخير عبر الشاطئ لأن فك هذه اللوحة حرر زنبرك الإطلاق. وعندما سُئل لماذا لم يفجر القذيفة بإطلاق النار عليها قال ان هناك ضباط مثله «على ايد مين يشيل» لكن طوربيد من هذا النوع هو أغلى غنيمة يمكن وضع اليد عليها. ويبدو ان هذا الحادث لا يتماشى مع الصيط الذي كان سارياً عليه بأنه متعال.
تم انجاز مارك ١ سنة ١٩٤٣ وبعد تشغيله لمدة قصيرة لاختباره تم تفكيكه وشحنه الى هارفارد. الا ان أيكن وواتسن اختلفا حول شكل الجهاز. فأراد أيكن ان يكون كل شيء ظاهراً في الجهاز لكي يرى الأخصائيون كيف يعمل بينما رأى واتسون ان يكون داخل صندوق من الفولاذ كعبارة عن التطور التكنولوجي العصري. ومع ان واتسون ربح هذه الجولة الا انه خسر الجولة التالية. فلدى تدشين الجهاز، لم يأت أيكن على ذكر واتسون ودعى الى مؤتمر صحافي حيث ظهر كما لو انه هو الأساس خلف بناء الجهاز مما أغضب واتسون للغاية. ويذكر توم واتسون انه لو كان لدى الرجلين سلاحاً لتبارزا من دون شك. ودام استياء واتسون من أيكن لعشرين عاماً ولم ينس مدراء «آي.بي.إم.» هذه الإهانة لوقت أطول من ذلك.
وكان جهاز مارك ١ مذهلاً وهو مغلف بالفولاذ والزجاج كما لو انه دماغ ميكانيكي، ولكن في الداخل لم يكن الا سلحفاة كهرو-ميكانيكية. فكان طوله ٥١ قدماً وارتفاعه ثمانية أقدام وزنته خمسة أطنان. وتم استخدام ما لا يقل عن ٥٣٠ ميل من الاسلاك يربطها ١٧٥٠٠٠ مقبس و٣٥٠٠ متابع والأغرب من ذلك في ما يتعلق بالكمبيوتر ١٢٠٠ محمل كرات! وأتاحة اللوحة اليسرى في الجهاز تحديد ٦٠ قيمة ثابتة باستخدام ١٤٠٠ محوّل. ثم أتى ٧٢ عداد تخزين احتلت ثلث الجهاز واستخدمت للجمع والطرح والتكديس. وتكوّن قلب الآلة من سجلات «آي.بي.إم.» الميكانيكية حيث تم تمرير النتائج الآتية من سجل الى آخر بواسطة الاحتكاك الكهربائي.

آتى بعد ذلك صف من أدوات الضرب والقسمة تبعته وحدات وظيفية يمكنها حساب اللوغاريتم والعدد المقابل له ودالات حساب المثلثات. وأتاحت ثلاثة ملقمات أشرطة ورقية إدخال الدالات الجدولية في الحاسب وقام منظم كهرو-ميكانيكي بالتحكم بوحدات الحساب. واكتمل التصميم بصف من الآلات الكاتبة وألات ثقب البطاقات وتلقيمها. اما تعليمات مارك ١، اي برنامجه، فقد تم ادخاله بواسطة قارئ أشرطة ورقية رابع.
في وقت لاحق، تم تعيين إيكن كمسؤول عن مارك ١ الذي قامت البحرية الأميركية بتجنيده. ومزح إيكن في هذا الخصوص بالقول انه الضابط الوحيد الذي يأمر كمبيوتر اذ تم التعامل مع الجهاز كآلة حربية. وكان مشغلوه يمشون بخطوات عسكرية حوله ويؤدون التحية لبعضهم البعض كلما تطلب البروتوكول العسكري ذلك.
كان مارك ١ يجمع او يطرح ثلاثة أرقام كل ثانية مما يعادل في لغة الكمبيوتر الحديثة معالج بسرعة ٠٫٣٣ هيرتز! كان بطيئاً لكنه كان جهاز كمبيوتر حقيقي. وعند تشغيله كان يهيأ للمرء ان هناك قاعة مليئة بالعجائز المنكبات على الحياكة بإبر من فولاذ، ولكن رغم ذلك كان جهاز كمبيوتر يمكن برمجته بالكامل.
ويذكر ان غريس هوبر، مخترعة لغة كوبول كانت من بين المبرمجين الذين تعلموا مهنتهم على جهاز مارك ١. وبدوره، فريد بروكس، احد أهم المساهمين في مشروع «آي.بي.إم ٣٦٠»، تعلم على يد إيكن ومارك ١. والحال ان الاشخاص الذين جعلوا مارك ١ يعمل بانتظام يعتبرون من المبرمجين الأوائل. فقد أمضوا معظم أوقاتهم في حساب جداول رياضية ولكنهم اخترعوا ايضاً مفهوم الروتين ومكتبة الروتينات (subroutine).
وأمضى مارك ١ في حساب دالات بيسيل فترات طويلة لدرجة ان المبرمجين أخدوا يكنونه باسم بيسي. وشاع صيط مارك ١ واعتبر اول آلة تسببت باستخدام عبارة «الدماغ الالكترني» في الصحافة. ونشرت المجلات الفخمة صوره وأصبح رمز التطور في العلوم والتكنولوجيا.
وبالنسبة لنا تبدو هذه الآلة بطيئة لدرجة تصبح فيها عديمة الجدوى. ومع انها كانت تواجه منافسة كبيرة من الآلات الالكترونية الخالصة مثل إينياك بعد إنجازه، ظلت تعمل ٢٤ ساعة في اليوم لخمسة عشر سنة في هارفارد. وعندما سُئل إيكن لماذا لم يستخدم مكونات الكترونية قال ان في اعتقاده ان هذه المكونات لا يمكن الاعتماد عليها ومن الأفضل بناء جهاز بطيء يعمل بدلاً من جهاز سريع لا يعمل.
العودة الى الأصول
تم البدء ببناء مارك ٢ في ١٩٤٥ وهذا الجهاز استخدم ايضاً المتابعات. وبلغ حجمه ثلاثة أضعاف مارك ١ وتمكن من التعامل مع ١٠٠ عدد من ١٠ أرقام بسرعة بلغت عشرة أضعاف سرعة سلفه. رغم ذلك لا يمكن الا ان نستغرب انهم لا يزالون يبنون آلات كهرو-ميكانيكية في هذا لعصر. وانتهى العمل بمارك ٣ سنة ١٩٥٠ ومارك ٤ سنة ١٩٥٢ والاثنان استخدما مكونات الكترونية جديدة مثل سجلات التحريك الحلقي المغنطيسي.
في ١٩٤٦ سُمح لأيكن العودة للعمل كمتفرغ في هارفارد. وفي سنة ١٩٤٧ رقي الى مركز مدير مختبر الكمبيوتر الجديد وظل في هذا المركز حتى سنة ١٩٦١. وخلال هذه الفترة أدار العديد من مشاريع الكمبيوتر الأساسية في اللغويات الرياضية والترجمة الآلية ونظرية التحويل واستخدام الذاكرة الحلقية. وقام ايضاً بتحرير مجلة المختبر (Annals of the Computational Laboratory) وألف عدداً من الكتب حول نظرية التحويل.
وتقاعد أيكن من عمله في المختبر من أجل «ربح المال» كما قال، مما اعتبر تحول جديد في اتجاه حياته. فأسس شركة هاورد أيكن وأخذ يبيع خبرته في نشاطات استشارية. والغريب في رجل قرر «ربح المال» انه لم يهتم أبداً لبراءات الاختراع ولإثبات اي اختراع قام به.
بطاقة هوية
الاسم: هاورد هاثاوي أيكن
تاريخ الولادة: ١٩٠٠
تاريخ الوفاة: ١٩٧٣
البلد: الولايات المتحدة
الاختصاص: الأجهزة
النظرية: لا يوجد
المنتجات: مارك ١ و٢ و٣
الشركات: Howard Aiken Industries
